شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (2 من 10)
علامةُ وليم شكسبير (1564-1616) أَنه بلا شبيه أَو مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي في أَيِّ لغة، ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. واللافت أَنَّ جميع مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الشخصية. فماذا عنها؟ هو هذا ما سأَكشف عنه في هذه السلسلة من 10 حلقات.
في الحلقة الأُولى سردتُ لمحة سريعة عن نشأَة شكسبير، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وما كان من تجاذُبات في الحكْم بين الكاثوليك والبروتستانت.
في هذه الحلقة أَضواء على كارثة حلَّت على الأُسرة بإِفلاس والده.
الوالد الثريّ
في النصوص البيوغرافية أَن جون (والد شكسبير) كان يعمل في صناعة القفازات ودباغة الجلود، وأَنه كان تاجر صوفٍ ناجحًا. وكان له حضور بارز في بلدته (ستراتفورد-أبون-آفون)، وفي مجلس المدينة. وانتُخب قاضي صلح ورئيس البلدية سنة 1566. وبفضل أَنشطته التجارية، تقرَّبَ من صفوف الطبقة الأَرستقراطية بزواجه من ابنة أَحد النبلاء.
وهو عاش حياةً ظهَرَ له شبيه في مسرحيات ابنه، من حيث الوقوع في المأْساة بعد الرفاه. فلدى ولادة وليام كان جون أَغنى رجل في منطقته، وتاليًا في وضع مالي مرتاح ومترف. لم تكن صناعة القفازات مورده المالي الوحيد، بل عمل في القطاع العقاري وتجارة الخشب والحبوب، ووظَّفَ بعض أَمواله في الإِقراضات المالية بفائدة مرتفعة. سوى أَنَّ تعاطيه الربا بهذا الشكل الفاقع، أَخذه مرتين إِلى المحكمة بتُهمة فرْضه فائدةً على المستدينين أَعلى من المسموح به قانونًا.
رئيس البلدية الناجح
ما جمعه من ثروة مكَّنه من شراء مبْنَيَيْن حدّ مبنى بيته الذي فيه ولد الصغير وليام. توسَّعَت مساحة البيت الأَول، وجعل في بعض غرفه مكاتب للبلدية حين انتُخِب رئيسها. ولأَن زوجته ماري آردن من أُسرة ميسورة، عاش الزوجان في رخاء مع أَولادهما، وأَرسلا وليام إِلى أَفضل مدرسة في المنطقة.
ولكن، ما إِن بلغ وليام سن الشباب، حتى بدأ رخاء العائلة يتفكَّك. كان وليام في الرابعة عشرة حين بدأ والده منذ 1580 يتغيَّب عن اجتماعات المجلس البلدي، وأَخذ الأَعضاء تباعًا يجرِّدونه من مهامه الإِدارية. وأَخذ أيضًا يتغيَّب عن جلسات الكنيسة، تهرُّبًا من مطالبات الدائنين. وهكذا انعزل جون عن الحياة في المدينة، وعن التعامل التجاري فيها، خَلاصًا من شماتة أَعضاء المجلس البلدي في المدينة.
هرب من الدائنين
حين توفيت شقيقة وليام عن 7 سنوات (1578)، تمكَّن جون من دفع مصاريف المأْتم، حرصًا على نظر المحيطين به، لكنه لم يتمكَّن من دفع موجباته الأُخرى. ولدى بعض مؤَرخي شكسبير وثائقُ عن مشاكل جون شكسبير المالية، إِنما ليس لديهم ما يشير إِلى سبب هذا الانهيار المالي. فليس من يعلم كيف تحوَّل ذاك الثري الركْن في بلدته إِلى شخص مطارَدٍ ومطلوب ومنبوذ، فيما ابنه يستهل حياته المسرحية بنجاح.

سرّ فاجعة الإِفلاس
بعض المؤَرخين يرون بأَن جون الذي كان يُقْرض الناس بفائدة عالية جدًّا، فشِلَ في تسديد ما عليه لدائنيه، فما عاد يستطيع الاستدانة، ما شكَّل له دائرة اشتدَّت على خناقه فسقط في كارثة الإِفلاس. ورأى مؤرخون آخرون أَنَّ معاضتَه الطقوسَ الكاثوليكية جعلت نظرة الناس في المدينة سلبية حياله. ومن كانوا شركاءه في الترف المالي انصرفوا عنه حين ازدادت شماتةُ الناس به.
بعد 25 سنة
لكنَّ لهذه الحالة الصعبة نهاية سعيدة: حين كان وليام في الخامسة، ووالدُه في قمة ثرائه، قدم هذا طلبًا إِلى الكلية العسكرية كي ينال شارة الكلية لأُسرته. لكنه لم يحظَ بالشارة ولم تتحقق رغبتُه إِلَّا بعد 25 عامًا، حين أَمسى في حمأَة انهياره المالي. فسنة 1596، وكان وليم حقق نجاحًا واسعًا في لندن وثروة كبرى وأَصبح في قمة شهرته، عاد فتقدَّم بالطلب ذاته من الكلية العسكرية لأُسرته، فنالها، ما مكَّن والده أَخيرًا من نيل ما حُرِمَهُ في سابق شبابه. لكنه لم يتمتع طويلًا بهذا الامتياز، لأَنه توفي بعد خمس سنوات (أَيلول 1601) عن ثمانين عامًا.
الحلقة الثالثة: 10 سنوات مجهولة من حياة شكسبير... أَين كان؟