شعرية التفاصيل في رواية "مقهى جرجيس وعمر السرياني" لنزار آغري

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عماد الدين موسى

ينتمي نزار آغري (من مواليد 1961) إلى جيل من الكتّاب الكرد الذين تشكّل وعيهم بين تحولات الداخل وأسئلة الخارج، فجمع في تجربته بين الكتابة الروائية والترجمة والاشتغال النقدي. أصدر عدداً من الأعمال السردية تنوّعت موضوعاتها وفضاءاتها، من بينها "أوراق الملا زعفران" و"شارع سالم" و"البحث عن عازار"، اشتغل فيها على بناء عوالم حيث تتقاطع الحكاية الفردية مع التحوّلات الاجتماعية. إلى جانب ذلك، نقل إلى العربية نصوصاً أدبية وفكرية من الفرنسية والإنكليزية والنروجية والإيطالية، مما أتاح له تماساً حياً مع أساليب سردية متعددة وتيارات فكرية متنوعة. يقيم في أوسلو، ويعمل في فضاء ثقافي يتسم بالحوار بين الهويات، وهو ما منح كتابته أفقاً رحباً في التأمل والمقارنة وإعادة قراءة التجارب الإنسانية عبر منظور عابر للحدود. 

تأتي روايته الجديدة "مقهى جرجيس وعمر السرياني"، الصادرة عن "منشورات الكتب خان" في القاهرة (2026)، ضمن مشروع سردي يشتغل على تخوم الذاكرة الجمعية للسريان والكرد والأرمن في شمال شرق سوريا، حيث يحوّل المكان اليومي الهامشي إلى بؤرة إشعاع تاريخي وروحي. 

تشيّد الرواية عوالمها حول مقهى صغير في مدينة عامودا، غير أن هذا المقهى يتجاوز كونه فضاءً للخدمة وتبادل الأحاديث، ليغدو استعارة كبرى لذاكرة مهددة، وهوية تبحث عن صيغة بقاء في وجه التآكل والنسيان. فمنذ الصفحات الأولى، يتشكل المقهى كمكان حيويّ ذي ذاكرة وملامح وطباع، فيما جرجيس، صاحب المقهى، يكاد يتماهى مع المكان حد الذوبان. في أحد المقاطع، يصف السارد علاقة الزبائن بالمكان وعلاقة عمر به، فيقول: "كل زبون من الزبائن الدائمين، وردة من ورده، له مكانه الخاص. بين الطاولات يتوهج النادل عمر. هو صغير في العمر، جميلٌ مثل زهر الأقحوان. ينتقل كأرنب رشيق. يأتي بكؤوس الشاي والقهوة إلى الزبائن، فيهشون ويفرحون. يبتهجون لرشاقته وجماله. شعره بني لامع، يتناثر بعفوية حول جبينه، ويصلح بشكلٍ غريبٍ ليبدو كأنه لم يمسسه سوى نسيم رقيق من الهواء". 

يكشف هذا المقطع، عن طبيعة النظرة الجمالية التي يعتمدها الكاتب؛ فالزبائن ورود، والمقهى حديقة، وعمر زهرة أقحوان تتنقل بخفة. يرسخ التشبيه هنا انطباعاً بأن المقهى فضاء نمو واحتضان، وبأن العلاقات داخله ذات طابع عضوي. المكان ينمو ويتنفس عبر رواده.

 

“مقهى جرجيس وعمر السرياني“. (منشورات الكتب خان)

 

اللافت لدى نزار آغري تحويل التفاصيل الصغيرة إلى علامات دالة: الكراسي، الطاولات، السماور، فناجين الشاي، كلها عناصر تتراكم لتصنع حساسية مكانية عالية. فيما المقهى يصبح قلب المدينة، وكل من يدخله يترك أثراً في نسيجه، حيث تحفظ الذاكرة في الأجساد والأشياء معاً.

التنوّع الإثني والعرقي 
تحمل مدينة عامودا آثار المجازر والهجرات والتبدّلات السياسية؛ إذ يستحضر السرد طور عابدين وماردين ونصيبين، ويمدّ خيوطاً بين الماضي العثماني والحضور الفرنسي، ثم تحوّلات لاحقة. تتجاور أسماء القرى والكنائس والأديرة مع أصوات المؤذن وتراتيل الكنائس، في مشهد يعكس تعددية المنطقة وتنوّعها الإثني والعرقي.
يعيد الكاتب رسم المدينة عبر حيوات شخوصه: جرجيس، عمر، معصوم، حنا، ديكران، شابو، وغيرهم. تمثّل كل شخصية زاوية نظر، أو ذاكرة جزئية، تتكامل مع غيرها لتصنع فسيفساء الهوية. بينما يكشف الحوار بين الشخصيات عن وعي سياسي وتاريخي عميق، فتطرح أسئلة حول البقاء، والخيانة، والولاء، والمصير.

سيرة عمر
يمثّل عمر، الذي يتربى في المقهى، الجيل الذي يحمل إرث المأساة من دون أن يكون شاهداً مباشراً عليها. ذاكرته مشبعة بحكايات الكبار، وبصور عن السريان الذين اختفوا، والقرى التي هدمت، والأديرة التي أحرقت. إنه "صندوق صغير في قلب صندوق ضخم".

يكبر عمر، ويغادر، ويعود عبر الذاكرة. وجوده في السويد، يفتح أفق المنفى، حيث يصبح المكان الأصلي طيفاً يرافق الجسد في الغربة. يعكس هذا البعد تجربة الكاتب نفسه، المقيم في أوسلو، ويضفي على النص صدقاً شعورياً.

عمر ليس بطلاً تقليدياً، إنه وسيط بين الأزمنة. حضوره في المقهى، وحركته بين الطاولات، ثم تأملاته في الشيخوخة، كلها تشير إلى مسار إنساني تتقاطع فيه البراءة الأولى مع وعي متأخر بثقل التاريخ. ولعل أكثر المشاهد كثافة في الرواية مشهد الهجوم على المقهى وإحراقه: "ظهر المهاجمون. تسللوا إلى داخل المقهى. مقهى جرجيس. كانت خطواتهم سريعة وأعينهم مليئة بالشر. لم ينبس أحدهم بكلمة، لكن حركاتهم لغة فصحى من العنف، واضحة وصريحة. أخرج أحدهم قماشة كبيرة مشبعة بالكاز. أشعلها. ألقى بها على الطاولات. ثم أتبعه الآخرون، حتى انتشرت النيران. كانت النار تتصاعد، تلتهب، تتراقص، واللهب الأحمر يلتمع في سماء عامودا وينعكس في ماء الخنزير".

يمثّل هذا المشهد ذروة درامية، حيث يتحوّل المقهى من ملاذ إلى هدف. لغة السرد تتسارع، والجمل قصيرة ومتلاحقة، كأنها تلهث مع ألسنة اللهب. يتجلّى العنف هنا عبر الحركة، عبر القماشة المشبعة بالكاز، وعبر النار التي "تتراقص". الفعل التخريبي يتجاوز حرق طاولات وكراسٍ؛ إنّه محاولة لطمس ذاكرة جمعية.

يرمز الحريق إلى تكرار المأساة التاريخية: كما أُحرقت الأديرة والقرى في الماضي، يحترق المقهى في الحاضر. كأن الرواية تشير إلى أن التاريخ يعيد نفسه في صور متعددة، غير أن المقهى، حتى وهو يحترق، يظلّ مشعاً بالمعنى، إذ يتحوّل إلى أيقونة للفقد.

تعدد الأصوات
يميل أسلوب الكاتب إلى الشعرية المكثفة، حيث تمتزج الصورة الحسية بالبعد الرمزي؛ روائح التبغ، بخار الشاي، لمعان الأواني النحاسية، كلها عناصر تبني عالماً ملموساً. في الوقت ذاته، تتخلّل السرد إشارات ثقافية متنوعة: مقاطع من الخيام، إحالات على كنائس ومؤذنين، وعلى خرائط ممزقة.

يحتل الحوار مساحة واسعة، ويمنح الشخصيات استقلالاً نسبياً. لكل شخصية نبرة خاصة، سواء في السخرية أو التأمل أو الغضب. هذا التعدّد يمنح النص حيوية، ويجنب الوقوع في صوت واحد مهيمن.

يوظّف الكاتب تقنيات الاسترجاع والاستباق، فينتقل بين أزمنة مختلفة من دون ارتباك. الزمن في الرواية دائري، يعود إلى نقاط بعينها، كما يعود روّاد المقهى إلى طاولاتهم المعتادة.

الهوية بين الاندثار والتجدّد
تطرح الرواية سؤال الهوية في سياق تاريخي معقّد؛ السريان، الكرد، الأرمن، المسلمون والمسيحيون، جميعهم يعيشون في مدينة واحدة، يتشاركون السوق والمقهى والذكريات. غير أن السياسة والاستعمار والصراعات القومية تترك ندوباً عميقة.

في أحد الحوارات، يتساءل أحدهم عمّا إذا كانوا الشاهد الأخير أو الناجين الوحيدين من "حفلة موت جماعي". هذا السؤال يلخص هاجس الرواية: هل ثمة مستقبل لذاكرة مهددة؟ يقدّم المقهى جواباً ضمنياً؛ طالما ثمة من يجلس، من يشرب القهوة، من يتذكّر، فإن الهوية تجد سبيلها إلى الاستمرار.

تعتمد البنية السردية للرواية على مشاهد قصيرة نسبياً، تتجاور كقطع فسيفساء. يحمل كل مشهد حدثاً أو حواراً أو وصفاً، ثم يترك أثره لينتقل السرد إلى مشهد آخر. يعكس هذا الأسلوب طبيعة الذاكرة التي تعمل عبر لقطات وصور متتابعة.

تجمع الرواية بين الواقعي والرمزي؛ فعيسو المعتوه، مثلاً، يرقص في المقهى ككائن بين الأرض والسماء، كأن حضوره تذكير دائم بأن الجنون أحياناً وسيلة للنجاة من ثقل الواقع.

بين المنفى الداخلي والخارجي
يتجلّى بين ثنايا الرواية منفى خارجي يتمثل في هجرة بعض الشخصيات إلى أوروبا، ومنفى داخلي يتمثل في شعور الاغتراب داخل المدينة نفسها؛ فجرجيس، وهو باقٍ في عامودا، يعيش نوعاً من العزلة، إذ يرى مدينته تتغير من حوله، بينما عمر، في السويد، يحمل عامودا في ذاكرته كأنها طيف يرافقه في الشوارع البعيدة.

يعكس هذا التوتر بين الداخل والخارج خبرة الكاتب، المقيم في أوسلو، الذي ينظر إلى موطنه الأول من مسافة جغرافية ونفسية، حيث تمنح المسافة السرد قدرة على التأمل وإعادة تركيب الماضي ضمن رؤية أوسع.

"مقهى جرجيس وعمر السرياني" رواية عن مكان صغير بحجم غرفة، وعن تاريخ بحجم قرن. عبر تفاصيل يومية وأصوات متعددة ومشاهد مكثفة، ينجح نزار آغري في بناء نص يحتفي بالذاكرة ويقاوم التلاشي. يتحوّل المقهى إلى أيقونة مقاومة ثقافية، حيث تتجمع القلوب وتتشابك الحكايات وتولد معانٍ جديدة من رماد الحريق.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية