شركات إعادة إنتاج الفقر
ليست كل شركة تنشأ بهدف خلق الثروة، وتوفير فرص الشغل، وتحريك الاقتصاد. فهناك نموذج آخر من المقاولات يمكن تسميته، مجازا، بـ«شركات التفقير» وإعادة إنتاج الفقر؛ وهي شركات قد تبدو ناجحة في أرقامها وصفقاتها، لكنها تساهم في إعادة إنتاج الفقر داخل محيطها بدل محاربته.
فقد تبدأ هذه الشركة نشاطها بأداء أجور معقولة لأجرائها، وبعد مدة من تحقيق الأرباح، تبدأ في تنفيذ سيناريوهات غريبة، من خلال تقليص الأنشطة التجارية، وتسريح عدد من العمال، وتقليص أجور عمال آخرين، ليجد الذين فقدوا عملهم أنفسهم أمام البطالة وعدم القدرة على أداء مصاريف الحياة اليومية، وأقساط القروض البنكية الخاصة بالسكن والسيارة، فضلا عن مصاريف تعليم أبنائهم وتكاليف العلاج والاحتياجات الأساسية، ويعاني الذين تم تقليص أجورهم من اضطراب في مستوى عيشهم، بعد أن كانوا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، ويجدون أنفسهم فجأة أمام دخل لم يعد يواكب متطلبات الحياة وارتفاع تكاليفها. فالأجر الذي كان يتيح لهم أداء أقساط السكن والسيارة، وتغطية مصاريف التعليم والصحة والاحتياجات اليومية، يصبح عاجزا عن تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، ما يدفع الأسر إلى تقليص نفقاتها، والتخلي عن بعض احتياجاتها الأساسية، واللجوء أحيانا إلى الاقتراض من أجل سد العجز الناتج عن انخفاض الدخل. وهكذا، لا يفقد الأجير جزءا من أجره فحسب، بل يفقد تدريجيا جزءا من مستوى العيش الذي بناه على أساس الدخل السابق، وقد يجد نفسه مهددا بالانزلاق من الطبقة المتوسطة إلى الهشاشة الاجتماعية.
أصحاب هذا النموذج من رجال ونساء الأعمال لا ينظرون دائما إلى الشركة باعتبارها مؤسسة اقتصادية لها مسؤولية اجتماعية تجاه العاملين بها، وإنما باعتبارها وسيلة للالتحاق السريع بركب الأثرياء، خصوصا عندما تستفيد من صفقات عمومية أو مشاريع ممولة من المال العام.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الصفقة العمومية، _ التي يفترض أن تكون فرصة لإنجاز مشروع وتشغيل اليد العاملة وضمان حقوق الأجراء _، تتحوّل/ إلى مصدر لتمويل مشاريع أخرى لا علاقة لها بالالتزامات الأصلية للشركة أو الصفقات العمومية التي حصلت عليها الشركة.
فبدل أن تكون الأولوية لأجور العاملين ومستحقاتهم وتعويضاتهم، قد يجد بعض الأجراء أنفسهم أمام أشهر طويلة من الانتظار، بينما تتجه أموال الشركة إلى استثمارات ومشاريع أخرى، أو إلى أنشطة مرتبطة بأفراد من المحيط العائلي أو الخاص لمالك الشركة، تارة باسم الزوجة أو الزوج وتارة باسم الأبناء وتارة باسم الخليلة أو الخليل.
وهنا تظهر المفارقة الصادمة .. شركة تحصل على المال من مشروع عمومي، لكنها تعجز عن أداء أجور الأشخاص الذين ساهموا في تنفيذ ذلك المشروع.
وقد يحصل العامل، بعد طول انتظار، على جزء يسير من مستحقاته، أو على تعويضات متقطعة وهزيلة لا تمكنه من مواجهة تكاليف الحياة. وفي المقابل، تستمر الشركة في البحث عن صفقات جديدة، وكأن المتأخرات تجاه الأجراء مجرد تفصيل ثانوي يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
هذا السلوك لا ينتج الفقر فقط، بل يقوم بما يمكن تسميته «إعادة تدوير الفقر».
فالأجير الذي لا يتوصل بأجره في موعده يعجز عن أداء كراء منزله، أو أقساطه، أو مصاريف أبنائه، أو التزاماته اليومية. ومع تراكم الديون والضغط النفسي والاجتماعي، تتحول الأزمة المهنية إلى أزمة أسرية، وقد تصل إلى النزاعات الزوجية والتفكك الأسري والطلاق.
والأخطر من ذلك أن الأجير الذي يفقد الأمل في الحصول على حقه، ويفقد الثقة في قدرته على بناء مستقبل مستقر داخل بلده، قد يبدأ في التفكير في الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد.
وهكذا لا يصبح الأمر مجرد خلاف بين مشغل وأجير حول راتب متأخر، وإنما يتحول إلى مشكلة اجتماعية تتجاوز أسوار الشركة.
إن تأخير أجور عشرات أو مئات العاملين ليس مجرد خلل محاسباتي. إنه قرار له آثار مباشرة على أسر كاملة. وراء كل راتب غير مؤدى أسرة تنتظر، وأطفال يحتاجون إلى مصاريف الدراسة، وبيت يحتاج إلى الكراء والفواتير، وشخص يحاول الحفاظ على كرامته أمام أسرته.
ومن هنا فإن المسؤولية الاجتماعية للمقاولة لا ينبغي أن تختزل في حملات تواصلية أو صور احتفالية أو شعارات عن الاستثمار وخلق فرص الشغل. المسؤولية تبدأ من أداء أجر العامل في موعده، واحترام العقد، وضمان حقوق الأجراء، وعدم استعمال موارد المشروع في اتجاهات تضر بالالتزامات الأساسية للشركة.
كما أن الحصول على صفقة عمومية ينبغي ألا يفهم باعتباره امتيازا مفتوحا للتصرف في المال بعيدا عن الغاية التي خصص لها. فالمال العام يرتبط في النهاية بمصلحة عامة، ومن يستفيد من مشروع ممول من الدولة يتحمل مسؤولية أكبر في احترام الالتزامات تجاه العمال والموردين والشركاء.
إن أخطر أنواع الفقر ليس ذلك الذي ينتج عن غياب الفرص فقط، وإنما الفقر الذي ينتج داخل مؤسسات يفترض أنها توفر فرص العمل.
وهنا تكمن خطورة «شركات التفقير»: فهي قد تخلق مناصب شغل على الورق، لكنها في الواقع تجعل العامل يعيش حالة دائمة من عدم الاستقرار؛ يعمل ولا يتقاضى، ينتظر ولا يعرف متى يحصل على حقه، ويواصل العمل لأنه يخشى فقدان مصدر رزقه.
لكن الحديث عن «شركات التفقير» لا ينبغي أن ينتهي عند التشخيص أو الاستنكار. السؤال الحقيقي هو.:
من يحاسب عندما تتحول المقاولة من فضاء لخلق الثروة إلى وسيلة لإفقار العاملين بها؟
المحاسبة هنا لا تعني معاقبة المستثمر لمجرد أنه حقق أرباحا، ولا تعني التضييق على المقاولة الخاصة، وإنما تعني وضع حدود واضحة بين الربح المشروع وبين الإضرار بحقوق الأجراء، وتحويل القوانين من نصوص مكتوبة إلى آليات فعلية للرقابة والتنفيذ.
وتقدم تجارب دولية نماذج جديرة بالتأمل. ففي الولايات المتحدة، تتوفر وزارة العمل على آليات لاسترجاع الأجور غير المؤداة، ويمكن في حالات معينة إلزام المشغل بأداء الأجور المتأخرة، إضافة إلى تعويضات وغرامات مدنية، كما يمكن اللجوء إلى القضاء عند وجود انتهاكات لقواعد الأجور. وقد أعلنت وزارة العمل الأمريكية أنها استعادت خلال السنة المالية 2025 أكثر من 259 مليون دولار من الأجور المتأخرة لفائدة نحو 177 ألف عامل.
وفي المملكة المتحدة، توجد آليات قانونية تمكن العامل من المطالبة بالأجور المستحقة، ويمكن للمحاكم المختصة أن تصدر أحكاما بالتعويض، كما توجد إجراءات إضافية في حالات عدم تنفيذ الأحكام. وفي حالات إعسار صاحب العمل، يمكن للعامل، ضمن شروط وحدود قانونية محددة، الحصول على مستحقات مرتبطة بالأجور والعطلة المؤدى عنها والتعويض عن الفصل وغيرها.
هذه النماذج لا تعني أن تلك الدول قضت نهائيا على استغلال العمال أو سرقة الأجور، لكنها تؤكد مبدأ بالغ الأهمية وهو أن عدم أداء الأجر ليس مجرد نزاع خاص بين العامل والمشغل، وإنما قضية يمكن أن تستدعي تدخل الدولة وآليات الإنفاذ والقضاء.
وفي بعض القضايا الأمريكية، وصلت المحاسبة إلى أحكام بملايين الدولارات لفائدة آلاف العمال. ففي إحدى القضايا، حكمت محكمة اتحادية لفائدة نحو 6000 عامل بمبلغ 35.8 مليون دولار عن أجور إضافية وتعويضات، بعد أن خلص التحقيق إلى وجود انتهاكات متعمدة لقواعد الأجور.
من هنا، فإن المطلوب ليس استنساخ نموذج أجنبي كما هو، وإنما طرح أسئلة واضحة من قبيل :
هل لدينا من الآليات ما يكفي لضمان ألا يتحول التأخر في أداء الأجور إلى ممارسة عادية ؟..
وهل تخضع الشركات التي تستفيد من المال العام لمراقبة حقيقية لا تنتهي بمجرد صرف قيمة الصفقة ؟..
وهل يمكن أن يستفيد مقاول من مشاريع عمومية جديدة بينما تظل حقوق أجراء المشاريع السابقة عالقة ؟..
المحاسبة الحقيقية ينبغي أن تبدأ من تتبع المال، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، وربط الاستفادة من الصفقات العمومية باحترام الحقوق الاجتماعية والعمالية، مع ترتيب المسؤوليات عندما يثبت وجود تلاعب أو تبديد أو تحايل أو امتناع غير مشروع عن أداء المستحقات.
فلا يعقل أن تكون الدولة صارمة في مطالبة المواطن بأداء ما عليه، ثم يكون العامل هو الحلقة الأضعف عندما يتعلق الأمر بأجره الذي كسبه بعرقه.
المقاولة التي تربح من حقها أن تربح، والعامل الذي يعمل من حقه أن يتقاضى أجره، والدولة التي تمنح الصفقة العمومية من واجبها أن تتأكد من أن المال العام لم يتحول إلى أداة لإنتاج الفقر.
حين يتحول تأخر الأجر إلى أزمة اجتماعية
في النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله «شركات التفقير» ليس فقط تأخير راتب أو اقتطاع تعويض، وإنما قتل الإحساس بالجدوى والأمل لدى الإنسان الذي يعمل.
وحين يشعر المواطن بأنه يعمل ولا يستطيع أن يعيش بكرامة، وأن مستقبله مسدود، وأن القانون لا يحمي حقوقه، فإن آثار ذلك لن تبقى داخل المؤسسة؛ بل قد تظهر في الأسرة، وفي الشارع، وفي التفكير في الهجرة، وفي فقدان الثقة في المجتمع والمؤسسات.
إن الفقر الذي يعاد إنتاجه داخل المقاولة أخطر من الفقر الناتج عن غياب الفرص، لأنه يمنح الإنسان الوهم بأنه يعمل من أجل تحسين حياته، بينما يجد نفسه، في نهاية المطاف، أكثر مديونية وأقل استقرارا وأكثر قلقا على مستقبله.
ولهذا فإن المحاسبة ليست انتقاما من رجال ونساء الأعمال، وإنما حماية للمقاولة الجادة، وللعامل، وللمال العام، وللاقتصاد، وللاستقرار الاجتماعي نفسه.
فالثروة التي لا تحسن حياة من يصنعونها ليست تنمية حقيقية، والشركة التي تجعل العامل أكثر فقرا كلما عمل فيها تحتاج إلى مراجعة نموذجها الاقتصادي والأخلاقي قبل الحديث عن نجاحها.
فالاستثمار الحقيقي لا يبني ثروته فوق أجور معلقة، ولا فوق أسر تنتظر مستحقاتها، ولا فوق أجراء فقدوا الأمل.
The post شركات إعادة إنتاج الفقر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.