شرارةٌ لا تنطفئ

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} المحامي ربيع حنا طنوس

ليست الأعوام سوى امتحانٍ للأثر، فهي تمضي بالجميع لكنها لا تأخذ الجميع معها. غالب الأسماء يطويها الزمن كما تُطوى صفحةٌ أدّت دورها، أمّا الاسماءُ القليلة النادرة فيستمر حضورها الحقيقي حين يغيب صاحبها، لأن ما إستقرّ في الإدراك لا تقوى الأيام على اقتلاعه.
هكذا لا يكون البقاء الحقيقي امتداداً للعمر، بل امتداد للرؤية. فهناك من ينتهي حضوره بإنتهاء صورته، وهناك من يتحول غيابه إلى بدايةٍ جديدة لأثره. هؤلاء لا يسكنون الذاكرة فحسب، بل يدخلون في نسيج الوعي، فتغدو أفكارهم جزءاً من الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم والعالم من حولهم.
وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه البقاء الثقافي، ذلك الحضور الذي لا تقيسه السنوات، بل يقيسه مقدار ما يتركه الإنسان في العقول والوجدان. فالمبدع الحقيقي لا يعيش في أعمال وحدها، بل في الاسئلة التي يوقظها وفي النظرة التي يضيفها إلى الحياة. وحين يصبح فكره جزءاً من الوعي الجمعي، يغدو الغياب واقعةً زمنية، لا نهاية الحضور.
ومن هذه الزاوية يُقرأ زياد الرحباني. فما تركه لا يختزل بألحانٍ أو مسرحياتٍ او نصوصٍ، بل برؤيةٍ مختلفة للواقع. لقد استطاع أن يجمع بين الموسيقى والمسرح والكلمة في ثالوثٍ إبداعي نادر. فالتقت في تجربته النغمة بالصوت والفكرة، وتحولت الفنون الثلاثة إلى لغةٍ واحدة تعبّر عن الإنسان والمدينة والواقع. 
لقد أخذ من تفاصيل الحياة اليومية مادته، ومن تناقضات المجتمع اسئلته ومن الإنسان العادي حكايته، وجعل من السخرية أداةً لكشف الحقيقة لا وسيلةً للهروب منها. لذلك شعر كثيرون أنه لم يكن يكتب عنهم من الخارج، بل كان يتكلّم بلغتهم، ويُعبر عن قلقهم وأحلامهم وتناقضاتهم، ويمنحهم القدرة على النظر إلى وجعهم بوعيٍ مختلف.
ولم تكن بيروت عند زياد مجرد مدينة تدور فيها الأحداث، بل كانت شريكاً في تكوين تجربته. حملت أعماله ضجيجها وصمتها، تعبها وفرحها، انكسارها وأحلامها، حتى بدا اللحن امتداداً للفكرة، والكلمة امتداداً للمدينة نفسها. فغدت مرآةً يرى الناس فيها وجوههم بلا تزينٍ ولا أقنعة.
ولعلّ أصوب ما قيل في وداعه ما عبّر عنه المتروبوليت سلوان موسى حين قال: "متل ما زياد قدح الصوّان وطلّع الشرارة". لم تكن هذه العبارة مجرد صورةٍ بلاغية عابرة، بل كانت اختصاراً لمعنى الإبداع نفسه. فالصوّان لا يمنح شرارته لكل عابر، بل يحتاج إلى من يعرف كيف يوقظ ما هو كامن فيه، وكذلك المبدع الكبير، لا يكتفي بأن يترك اثراً جميلاً، بل يوقظ في الناس أسئلةً كانت نائمة، ويحرّك وعياً كان ينتظر من يلامسه. فالشرارة التي أطلقها زياد لم تكن لحناً أو جملةً او مشهداً مسرحياً فحسب، بل كانت اسلوباً مختلفاً في رؤية الإنسان والحياة.
بعد عامٍ على الغياب، لم يعد السؤال: كيف غاب زياد؟ بل كيف بقي؟
فبعض الأشخاص يترك أعمالاً تحفظ، أما القلّة النادرة فتترك أثراً يواصل تشكيل الإنسان، هؤلاء لا يعيشون في الذاكرة وحدها بل في الحاضر أيضاً، لأن ما غرسوه في الوعي يتجاوز حدود الزمن الذي عاشوا فيه.
هكذا يبدو زياد اليوم: ليس اسماً من الماضي، بل أثر لايزال يتشكل في الحاضر. وكأن الشرارة التي خرجت يوماً من الصوّان لم تنطفئ بل توزعت على عقولٍ وقلوبٍ كثيرة، لتواصل اضاءة ما يعجز الزمن عن إطفائه، وتترك للمدينة نهجاً في التفكير، وصوتاً لايزال يعبر شوارعها… حتى حين يصمت.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية