شح الدولار يقيد الإنفاق... ومصرف لبنان يتمسك بالاستقرار النقدي: خط أحمر
مع اشتداد شح الدولار في السوق، تتخذ الأزمة النقدية في لبنان منحى أكثر تعقيداً بما يضع السياسات المالية والنقدية أمام اختبار دقيق يوازي بين ضرورة الاستقرار ومتطلبات الإنفاق العام. ويبرز التحدي الأساسي في كيفية إدارة الكتلة النقدية بالليرة بما لا يؤدي إلى مزيد من الضغوط على سعر الصرف، خصوصاً في ظل هشاشة الثقة بالعملة الوطنية وسلوك المواطنين الذين يسارعون إلى تحويل مدخراتهم نحو الدولار عند أي ضخ إضافي.

وفي ترجمة لحجم المشكلة ومخاطر فقدان السيطرة النقدية، يؤكد وزير المال ياسين جابر لـ"النهار" أن "تراجع توفر الدولار خلال الشهر الأخير فرض قيوداً إضافية على الإنفاق. إذ إن أي توسع غير محسوب في ضخ الليرة قد يسرع تدهور قيمتها، ويؤدي إلى دوامة تضخمية تعمق الأزمة بدل احتوائها. لذلك، تصبح المحافظة على استقرار سعر الصرف أولوية قصوى، حتى لو جاء ذلك على حساب تشديد الإنفاق العام".
"المركزي" مستمر بتأمين النفقات بالدولار
في المقابل، يؤكد مصرف لبنان استمراره في تأمين نفقات الدولة الأساسية من السوق، لا سيما الرواتب والأجور، رغم شح العملات الأجنبية. كما يواصل تنفيذ التعميمين 166 و158 عبر استخدام الاحتياطي بالعملات الأجنبية لتسديد مستحقات المودعين، مع التشديد على أن هذه الاحتياطات تعود بمعظمها إلى هؤلاء المودعين، ما يحد من إمكان استخدامها لتمويل الدولة. هذا الفصل بين تمويل الدولة وحماية أموال المودعين يعكس توجها واضحاً لدى المصرف للحفاظ على توازن دقيق بين الالتزامات المختلفة.
يرتكز خطاب مصرف لبنان على مجموعة أولويات ثابتة، أبرزها صون الاستقرار النقدي، والعمل على إعادة الودائع ضمن آليات قانونية، واستعادة عافية القطاع المصرفي كشرط أساسي للنمو الاقتصادي. كذلك يشدد على أهمية تعزيز المالية العامة وضمان ثبات العملة الوطنية بما يمكن الدولة من الإيفاء بالتزاماتها. هذه الأهداف، وإن بدت مترابطة، تتطلب تنسيقا عالي المستوى بين السياسات النقدية والمالية لتفادي أي تضارب قد ينعكس سلباً على الاقتصاد.
الى ذلك، يبرز أيضا التزام المصرف بالعمل ضمن الأطر القانونية، ولا سيما المادة 70 من قانون النقد والتسليف، مع التأكيد على التعاون الوثيق مع وزارة المال والحكومة لضمان انتظام السياسات. غير أن فعالية هذه الجهود تبقى مشروطة بتوافر تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية، وهو أمر يتأثر بعوامل داخلية وخارجية على حد سواء، من بينها مستوى الثقة والاستقرار العام.
يبقى العامل السياسي عنصراً حاسماً في هذا المشهد، إذ يشكل الاستقرار السياسي المدخل الأساسي لأي تعاف اقتصادي. فتعزيز الثقة، سواء لدى المواطنين أو المستثمرين، لا يمكن تحقيقه من دون بيئة سياسية مستقرة تدعم فعالية السياسات النقدية والمالية. وعليه، فإن أي تقدم في المسار السياسي سينعكس مباشرة على استقرار الاقتصاد الوطني وقدرته على الخروج التدريجي من أزمته.