شبكات تتربص بالجثامين: عندما يتحول تعويض ضحايا حوادث السير بالخارج إلى “وليمة” للسماسرة

لم تكن فاجعة فقدان المغترب المغربي في بلاد المهجر يوما مجرد جرح عاطفي تنطفئ نار ألمه بمرور السنين؛ بل إن الفاجعة الأكبر والأشد مرارة هي تلك التي تبدأ بعد موته. هي فاجعة “المنظومة الإجرامية العابرة للحدود” التي تقتات على دماء الضحايا، وتستغل جهل العائلات المكلومة بالقوانين واللغات الأجنبية، لتحول مآسي حوادث السير المميتة إلى تجارة مربحة يتقاسم كعكتها سماسرة في الداخل ومحامون بلا ضمير في الخارج.

الفخ الإيطالي: هندسة الخديعة في غفلة من الصدمة

في إيطاليا، كما في دول أوروبية أخرى، تُنظم القوانين بدقة متناهية جداول مرجعية ومقاييس صارمة (مثل جداول محاكم ميلانو أو روما الشهيرة) لتحديد حد أدنى وأقصى للتعويض عن الضرر المعنوي والمادي لكل فرد من ذوي الحقوق (الوالدين، الأشقاء، الأبناء). لكن هذه “العدالة الرقمية” تصطدم في الواقع بـ “جشع بشري” ينصب فخاخه بعناية.

تبدأ القصة دائماً بنصيحة “مسمومة” من وسيط مغربي يرتدي قناع “فاعل الخير” أو “الحقوقي الغيور“. يتسلل إلى الأسرة وهي في قمة انهيارها النفسي بعد سماع خبر وفاة ابنها. يستدرج العائلة لتوكيل فرد واحد منها، ليتحول هذا الأخير بدوره – ودون وعي منه – إلى طعم في “كمين أكبر“. بموجب توكيل عام أو خاص، ينفرد السماسرة والمحامي بالملف، وتُوقع عقود الصلح مع شركات التأمين الإيطالية في غرف مغلقة، بعيداً عن أعين بقية ذوي الحقوق.

إن تحويل مبالغ مالية مبهمة للعائلات دون تسليمها نسخة من “عقد الصلح” (Atto di transazione)، ودون تبيان القيمة الإجمالية للتعويض وكيفية قسمتها القانونية، ليس مجرد “نقص في الشفافية“؛ بل هو السطر الأول في جريمة سطو موصوفة، وتعتيم متعمد لإخفاء الفارق الضخم بين ما دفعته شركة التأمين وما استقر في حسابات المحامي ووسيطه.

سيكولوجية الهروب: “أرشيف السنوات العشر” كغطاء للجريمة

من أغرب المفارقات القانونية التي تُستغل لإقبار هذه الجرائم، التذرع بـ “قانون التقادم” أو حق المحامي في إتلاف الأرشيف بعد مرور عشر سنوات. إن التستر وراء هذه النصوص لرفض تمكين ذوي الحقوق من وثائقهم هو اعتراف ضمني بالشبهة. فالأرشيف قد يتلف ميكانيكياً، لكن الحقوق لا تموت بالتقادم إذا بنيت المساطر على تدليس وتدليس الإرادة. عندما يكتشف الضحايا بعد عشرين سنة أنهم وقعوا ضحية نصب ممنهج، فإننا لم نعد أمام نزاع مدني حول أتعاب محامٍ، بل أمام جناية نصب واحتيال وتزوير مكتملة الأركان، والجنايات لها مساطر قطع التقادم في القانون الجنائي الدولي والمحلي.

صرخة نحو القنصليات المغربية: الحماية القانونية قبل ترحيل الجثامين

أمام هذا التغول لشبكات “النصب الدولي“، لم يعد مقبولاً أن يقتصر دور القنصليات والممثليات الدبلوماسية المغربية بالخارج على تسهيل إجراءات شحن الجثامين وتقديم التعازي. إن حماية المواطن المغربي حياً وميتاً تقتضي من وزارة الشؤون الخارجية اتخاذ رزمة إجراءات استباقية صارمة:

إحداث مكاتب دعم قانوني مجاني داخل القنصليات، تضم مستشارين قانونيين يفقهون قوانين بلد الإقامة (مثل قانون التأمين الإيطالي)، لتوجيه الأسر فور وقوع الحوادث المميتة.

فرض رقابة قنصلية على التوكيلات: يجب منع إبرام توكيلات عامة تمنح المحامين الحق في إجراء الصلح المالي دون إخطار صريح ومكتوب وموقع من جميع ذوي الحقوق فرداً فرداً.

لائحة سوداء: وضع قائمة سوداء بالمحامين والسماسرة الذين تحوم حولهم شبهات الابتزاز والسطو على التعويضات بالتعاون مع نقابات المحامين في دول المهجر.

نداء للمتضررين: لا تتركوا القبور تُنهب صمتاً

إن مواجهة هذه المافيا تتطلب ثورة وعي من الأسر المتضررة. لا يجب للاستسلام لمرور السنين أن يكون عائقاً. والخطوات واضحة ولا لبس فيها:

أولاً: مراسلة نقابات المحامين  (Ordine degli Avvocati) في المدن الإيطالية المعنية لفتح تحقيق سلوكي تاديبي مع المحامين الرافضين لتسليم الوثائق.

ثانياً: لجوء الأسر المتضررة جماعياً إلى الجمعيات الإيطالية والأوروبية المتخصصة في الدفاع عن ضحايا حوادث السير (Associazioni vittime della strada)، والتي تملك من النفوذ القانوني والإعلامي ما يكفي لفتح الملفات القديمة.

ثالثاً: رفع دعاوى قضائية بصبغة جنائية بتهم النصب والاحتيال وخيانة الأمانة.

إن أموال التعويضات عن الحوادث المميتة ليست إرثاً عادياً، بل هي فدية عن دمٍ أُريق وعن غربة قاسية انتهت بنعش خَشبي. والسكوت عن السطو عليها هو مشاركة في الجريمة. لقد حان الوقت لقطع دابر هذه الشبكات الخطيرة التي تتربص بالموتى وتسرق الأحياء، ليعلم السماسرة أن حبل العدالة – وإن طال لعشرين سنة – فإنه لا ينقطع بل يشتد ليخنق اللصوص في النهاية.

اقرأ المقال كاملاً على لكم