"شارع ستاينواي" .. واحة للإيقاعات المغاربية والعربية في قلب نيويورك

لا تكتمل تجربة زيارة نيويورك بالوقوف عند ناطحات السحاب في مانهاتن أو استكشاف الأحياء التاريخية كالحي الصيني والإيطالي فحسب، بل إن الرحلة الحقيقية للزائر العربي والمغاربي تقوده نحو حي “أستوريا” العريق في منطقة كوينز، وتحديدا إلى شارع “ستاينواي” الرئيسي.

هذا الشارع الذي يمتد على مسافة 3.86 كيلومترا ليربط شمال المدينة بجنوبها، يمكن الوصول إليه بيسر عبر خطوط مترو الأنفاق أو الحافلة، وقد تحول على مر العقود من ضاحية صناعية ارتبطت بالمصانع الألمانية في القرن التاسع عشر، إلى شريان تجاري نابض وجزء أساسي لـ”أستوريا ستاينواي”، مشكّلا وطنا بدقائق تفاصيله للمهاجرين الباحثين عن دفء الهوية في بلاد الغربة، وهو ما تؤكده الذاكرة الحية للزوار الذين واكبوا الحي منذ أواخر القرن الماضي، حينما كان الشارع يعج بملامحه الأولى المليئة بالمحلات والمشاريع المغربية والمصرية على وجه الخصوص، قبل أن يتوسع ويصل إلى ما هو عليه اليوم.

ويُعرف شارع ستاينواي اليوم في الأوساط النيويوركية بأنه “شارع العرب والمغاربيين”، حيث يرتكز النشاط التجاري والثقافي على المحلات الشرقية والمغاربية والمقاهي التي بدأت تتشكل ملامحها منذ أمد طويل مع افتتاح أول مطعم عربي في المنطقة. وتتجلى جغرافية الشارع كلوحة فسيفسائية تجمع التنوع العربي والمغاربي؛ فإلى جانب المقاهي المصرية واللبنانية الشهيرة، تبرز المحلات التجارية المغربية والتونسية والجزائرية، والمطاعم الآسيوية الحلال ومتاجر المعجنات الأردنية.

كما يزخر الشارع بوكالات الأسفار العربية، ومكاتب المحاسبة والمحاماة، وعيادات الأطباء العرب، مما يجعله مركزا متكاملا يلبي كافة الاحتياجات اليومية للجالية، وتكتمل صورته الجمالية بعربات الأكل العربي التي تعرض أشهى الأطباق على نغمات أغاني فيروز وموسيقى الراي والدبكة.

وما يمنح ستاينواي خصوصيته الفريدة في عمق حي أستوريا، هو تلك الأجواء الروحية والاجتماعية التي تعزز قيم الانتماء؛ إذ يتواجد في آخر الشارع “مسجد الإيمان” الذي يعد واحدا من أهم المعالم الإسلامية بمدينة نيويورك. ويتميز هذا المسجد برفع الأذان عند دخول وقت الصلاة، في مشهد مهيب يأسر قلوب المارة والزوار الذين يتوقفون لالتقاط مقاطع الفيديو للمسجد وللشارع الذي يتردد فيه صدى التكبيرات. وتتحول أرصفة الشارع ومحلاته، لا سيما تلك المتخصصة في بيع ملابس الزي الإسلامي، إلى ملتقى عائلي دافئ تفوح منه روائح التوابل الزكية وزيت الزيتون المغربي الأصيل، مما يمنح المهاجرين إحساسا حقيقيا بأنهم لم يغادروا عواصمهم الأم.

وتصل الحركية الاجتماعية في الشارع إلى ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد، حيث يشهد تجمعات عربية مكثفة لتبادل أطراف الحديث. ومع احتضان الولايات المتحدة وكندا والمكسيك فعاليات كأس العالم الجارية حاليا، تحولت المقاهي المزودة بأجهزة التلفاز ذات الشاشات الكبيرة إلى مناطق للمشجعين (Fun Zones) تضج بالحماس والإثارة ومتابعة المونديال. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ذكريات تلاحم الجاليات في مونديال قطر 2022 حينما بصم المنتخب المغربي على مشاركة جد مشرفة، لتمتزج الفرحة مجددا اليوم بين جميع أبناء الجاليات العربية والمغاربية في تلاحم بهيج يثبت أن المغتربين جسد واحد في السراء والضراء.

لا ينحصر التلاحم في حدود الشارع فحسب، بل يمتد ليشكل قوة حضور إيجابية للجالية العربية والمغاربية في الفعاليات الكبرى لمدينة نيويورك، مثل “ماراثون الخير السنوي”؛ بحيث يحرص أبناء الشارع على إدراج هذا الحدث في أجندتهم السنوية وتأكيد التواجد المكثف فيه لدعم الرياضيين القادمين من مختلف دول العالم، معتبرين هذه المشاركة قبلة تبرز للعالم مدى تضامنهم وتحضرهم. ورغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية وضغوط الحياة في المهجر، يبقى شارع ستاينواي صامدا كإرث ثقافي حي ومجمع لكل الشعوب العربية التي تعيش في نيويورك والمدن المجاورة.

The post "شارع ستاينواي" .. واحة للإيقاعات المغاربية والعربية في قلب نيويورك appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress