سُرّاق السينما
“سُرّاق السينما” هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟
تدخل السينما إلينا كما يدخل اللص إلى بيتٍ نائم. لا تكسر الأبواب، وإنما تسرق بلذة أعيننا بهدوء، ثم تترك داخلنا صوراً لا نعرف إن كانت تخصنا أم تخص الآخرين. ومنذ اللقطة الأولى في تاريخ الشاشة، كانت السينما تمشي فوق آثار نصوص قديمة، فوق حكايات مروية حول النار، فوق أساطير هاربة من الكتب، وفوق وجوه بشرٍ ظنوا أن ذاكرتهم ملكٌ لهم، قبل أن تأتي الكاميرا لتعيد امتلاكها من جديد. فهل وُلدت السينما حقاً من رحم البراءة، أم أنها وُلدت من شهوة الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مشهد سينمائي وفرجوي؟
ويشبه كل فيلم يداً تمتد نحو أرشيف الإنسانية لتنتزع منه ما تشاء. الحب، الحرب، الخوف، الجريمة، الوجوه، المدن، وحتى الأحلام، كلها مواد خام لعملية سرقة كبرى لا تتوقف. غير أن هذه السرقة لا يمكن اعتبارها جريمة ضد الفن، ولكنها الفن نفسه في أكثر أشكاله غموضاً وافتتاناً. فالسينما لا تخترع العالم بقدر ما تعيد ترتيبه، ولا تخلق المعنى من العدم، وإنما تنتشل بقايا المعاني القديمة وتنفخ فيها روحاً جديدة.
وحين نتأمل أفلام هوليوود الكبرى، كما ألأفلام الفرنسية والهندية والمغربية… نشعر أننا أمام مرايا تسرق مرايا أخرى، وأمام صورٍ تتغذى على صور سابقة، حتى يصبح الأصل مجرد شبح بعيد. وهنا يتحول المخرج إلى لصٍ نبيل، يقتحم ذاكرة الأدب والتاريخ والحياة، لا ليقتلها، ولكن ليمنحها عمراً آخر فوق الشاشة.
السينما كفن قائم على السرقة المنظمة
في أفق النظرية التي بلورها عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب”، لا يعود النص الأدبي ملكاً خالصاً لمؤلفه، وإنما يصبح عقدة في شبكة واسعة من الاقتباس والترجمة والتحوير وإعادة التملك. ويغدو الإبداع، وفق هذا التصور، ليس فعلاً نقيّاً، ولكن ممارسة قائمة على “السرقة الجميلة”، أي ذلك الاستيلاء الرمزي على نصوص سابقة وإعادة إدراجها داخل سياقات جديدة تمنحها حياة أخرى. ولا يتأسس الكاتب هنا منشئاً من العدم، وإنما قارئاً سارقاً يعيد توزيع المعاني.
وحين نُسقط هذا التصور على السينما، تتكشف أمامنا حقيقة أكثر راديكالية: السينما ليست فقط فناً تناصياً، بقدرما هي الفن الذي قام تاريخياً على السرقة المنظمة. وكل فيلم هو نسخة متحوّلة من نصوص سابقة، سواء كانت أدبية أو بصرية أو حتى أفلاماً أخرى. لكن هذه السرقة لا تُنتج فقراً إبداعياً، ولكنها على العكس، تُنتج كثافة دلالية تجعل من السينما أرشيفاً مفتوحاً لإعادة الكتابة المستمرة للواقع والخيال معاً.
وفي السينما الأمريكية تحديداً، يبدو هذا المنطق أكثر وضوحاً، حيث تتحول الصناعة السينمائية إلى جهاز ضخم لإعادة تدوير القصص والأنماط والأساطير. فلا وجود لأصل صافٍ، وإنما فقط لسلاسل من التحويلات.
في لحظة التأسيس الكلاسيكي لهوليوود، يظهر فيلم Casablanca / ” الدارالبيضاء ” للمخرج Michael Curtiz كأحد أبرز الأمثلة على “السرقة الأدبية الرفيعة”. ويستعير الفيلم من المسرح، ومن الرواية الرومانسية الأوروبية، ومن خطاب الحرب العالمية الثانية، ليعيد تركيبها داخل قصة حب مستحيلة في مدينة ملتبسة. ويقول ريك بلين في لحظة شهيرة: “هنا ينظر إليكِ الطفل”
ولا تمثل هذه العبارة مجرد عبارة رومانسية، ولكنها إعادة تدوير لخطاب الحب الكلاسيكي في الأدب الأوروبي، لكنها داخل السينما تتحول إلى أيقونة ثقافية مستقلة. وهنا لا نعود قادرين على تمييز الأصل من السرقة، لأن السرقة نفسها أصبحت الأصل الجديد.
في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تتكرس هذه الدينامية داخل سينما النوار( السينما السوداء)، حيث تصبح المدينة نفسها مادة مسروقة من الواقع الاجتماعي. فيلم Double Indemnity للمخرج Billy Wilder يعيد إنتاج الرواية البوليسية داخل منطق بصري مظلم يعكس انهيار القيم الأمريكية. ويقول والتر نِف:
“أنا لم أكن أبحث عن القتل، بل عن المال”. ولكن ما يقوله الفيلم فعلياً هو أن الجريمة ليست فعلاً فردياً، وإنما بنية اجتماعية مسروقة من اقتصاد الرغبة والرأسمال. وهنا تتحول “سرقة الأدب” إلى “سرقة الواقع”، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى مادة سردية معاد تشكيلها.
في الخمسينات من القرن العشرين، تتعمق هذه الفكرة مع فيلم Rear Window / ( النافذة الخلفية)، للمخرج ألفريد هيتشكوك، حيث تتحول “المشاهدة” نفسها إلى شكل من أشكال السرقة. الشخصية الرئيسية، المصور المقعد، يسرق حياة الآخرين عبر النافذة. وهذا الفيلم لا يسرق قصة، وإنما يسرق فعل النظر ذاته. وهنا تصبح السينما جهازاً للسرقة الإدراكية، حيث تتحول العين إلى كاميرا، والكاميرا إلى سلطة. وما يهم ليس الحوار، وإنما البنية السوسيولوجية للفعل: مجتمع يتحول إلى مشهد قابل للاستهلاك البصري.
“السرقة” على شكل الوعي والتمرد
في الستينات، ومع صعود الموجة الجديدة في هوليوود، تتخذ السرقة شكلاً أكثر وعيًا وتمرّداً. فيلم Bonnie and Clyde للمخرج Arthur Penn يعيد كتابة تاريخ العصابات الأمريكية من منظور رومانسي ثوري. وتقول شخصية كلايد: “نحن نسرق البنوك”، لكن الفيلم يضيف طبقة أخرى: إنهم يسرقون أيضاً صورة الخارج عن القانون في المخيال الشعبي. وهنا تصبح السرقة مزدوجة: سرقة مادية وسرقة رمزية، سرقة فعل وسرقة أسطورة.
في السبعينات، تصل “سوسيولوجيا السرقة السينمائية” إلى مستوى أكثر تركيباً مع فيلم The ” العراب ” للمخرج الأمريكي فرنسيس فورد كوبولا، يستعير من الأدب الملحمي، ومن التاريخ الإيطالي الأمريكي، ومن خطاب السلطة الأبوي. ويقول فيتو كورليوني: “سأقدّم له عرضاً لا يستطيع رفضه”، وهذه العبارة لم تعد مجرد تهديد، وإنما أصبحت بنية فكرية حول كيفية اشتغال السلطة نفسها: السلطة التي لا تُفرض بالقوة فقط، ولكن تُعاد صياغتها كإغراء لا يمكن مقاومته. وهنا تتحول السرقة إلى إعادة كتابة لفكرة الهيمنة.
وفي الثمانينات، مع فيلم Scarface للمخرج بريان دي بالما، تصبح السرقة جزءاً من منطق التكرار نفسه. والفيلم هو إعادة إنتاج لفيلم 1932، لكنه أيضاً إعادة سرقة للحلم الأمريكي في شكله الأكثر عنفاً،
حيث تقول شخصية توني مونتانا: “العالم كله لك “، لكن المفارقة أن هذه العبارة، التي تبدو وعداً بالتمكين، تتحول إلى نقد للرأسمالية المتوحشة التي تسرق الإنسان نفسه وتعيد بيعه في شكل طموح لا نهائي.
“السرقة ” كفعل علني وجمالي
في التسعينات من القرن العشرين، تدخل السينما مرحلة ما بعد الحداثة، حيث تصبح السرقة معلنة وجمالية. فيلم Pulp Fiction للمخرج كوينتين ترانتينو، يقوم على اقتباس مباشر من تاريخ السينما الأمريكية والعالمية: أفلام العصابات، أفلام النوار، وثقافة البوب. ويقول جولز: ” المشي على الأرض هو أن تمشي مع الله”، لكن الأهم ليس المعنى المباشر، وإنما الطريقة التي يعاد بها تركيب الحوار داخل شبكة من الاقتباسات التي لا تخفي مصدرها، بل تحتفي به. وهنا السرقة تتحول إلى أسلوب كتابة سينمائية واعية بذاتها. وفي أواخر التسعينات، يبلغ هذا المنطق ذروته الفلسفية في فيلم Fight Club للمخرج David Fincher الفيلم (دافيد فينشر)، فهو لا يسرق فقط من الأدب ومن السينما، وإنما من الهوية الفردية نفسها، إذ يقول تايلر دوردن: ” نحن جيل من الرجال تربّى على يد النساء”. وهذه العبارة، سواء أكانت دقيقة حرفياً أم لا في نقلها، تمثل جوهر الفيلم: إحساس جيل كامل بأن هويته مسروقة مسبقاً، وأن الذات ليست سوى منتج اجتماعي قابل لإعادة التشكيل. وهنا السرقة لم تعد فعلاً جمالياً فقط، ولكنها أصبحت شرطاً وجودياً.
الابداع على أنقاض نصوص سابقة
إذا كانت نظرية عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب” تكشف أن النص الأدبي يعيش على أنقاض نصوص سابقة، فإن السينما الأمريكية تكشف أن هذا المبدأ ليس استثناءً بقدر ما هو قاعدة تأسيسية. ولا يوجد فيلم “أصلي” بالمعنى المطلق، بل سلسلة لا نهائية من التحويلات: روايات تتحول إلى أفلام، أفلام تسرق أفلاماً، صور تعيد إنتاج صور، ومعاني تتكاثر عبر الزمن دون أن تستقر.
والسؤال الإشكالي الذي يطرحه مفهوم “سُرّاق السينما” ليس: من يسرق من؟ ولكن: هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟ الجواب يبدو سوسيولوجياً أكثر منه أخلاقياً: ولا يمكن اعتبار السينما مؤسسة للسرقة، بل جهاز لإعادة إنتاج المعنى عبر السرقة المنظمة.
في النهاية، ما يبدو “سرقة” في الخطاب النقدي التقليدي، هو في الحقيقة شرط وجود الفن نفسه. فالسينما لا تبدأ من الأصل، وإنما من الأثر، ولا تنتهي إلى الحقيقة، ولكن إلى نسخ متراكبة من الحقيقة.
The post سُرّاق السينما appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.