سيدة الصورة أكيكو أشيزاوا بعد تكريمها في كانّ لـ"النهار": ينبغي للكاميرا أن تكون مثل آلة موسيقية بين يدَي عازف

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أكثر من 70 فيلماً في سجل المصوّرة السينمائية أكيكو أشيزاوا، ومع ذلك عندما تجتمع بها بمناسبة تكريمها في مهرجان كانّ السينمائي الأخير بجائزة بيار أنجينيو (أُسنِدت إلى كبار الصورة في السنوات الـ13 الأخيرة)، تشعر أنها التي تودّ محاورتك، لا أنت. السيدة التي اشتهرت بقدرتها الاستثنائية على توظيف الضوء الطبيعي وتشكيل أجواء بصرية تنقل أدق المشاعر وأكثرها تعقيداً، لا تعدُّ نفسها اسماً كبيراً في هذا المجال، وذلك لفرط التواضع الذي يشتهر به شعب اليابان. في مقابلة "النهار" معها، تتحدَّث أشيزاوا عن علاقتها بالضوء والصورة، وعن أثر التكنولوجيا الرقمية في السينما المعاصرة، كما تستعيد رؤيتها لفنّ التصوير باعتباره ممارسة تقوم على الفضول والإنصات للعالم أكثر ممّا تقوم على التقنية وحدها.

* تُعدّين من أبرز المصوّرين السينمائيين، ومن الأسماء اللامعة عالمياً في هذا المجال. هل شكّل إرث السينما اليابانية مصدر إلهام لكِ، أم أنه فرض عليكِ، قدراً من المسؤولية والضغط؟
- في الحقيقة، لا أنظر إلى نفسي على أنني مديرة تصوير كبيرة. أتعامل مع كلّ عمل، متواضعاً كان أم طموحاً، بالجدّية نفسها وبالقدر ذاته من الالتزام. لا أميّز بين مشروع وآخر، فكلّ تجربة تستحق العناية والاهتمام نفسيهما.

* تتّسم صورتك السينمائية بكثافة عاطفية واضحة، وغالباً ما تنطوي على حساسية إنسانية. كيف تنجحين في تحقيق هذا التوازن؟ وكيف ينعكس ذلك على اختياراتكِ التقنية؟
- هذا سؤال بالغ الصعوبة. أذكر أنّ أحد المخرجين سألني مرة: "هل تفهمين معنى الرطوبة؟"، وكان يقصد رطوبة الهواء وما تتركه من أثر محسوس في المكان. ثم طلب مني أن أجعل الفيلم يبدو مُشبّعاً بهذا الإحساس. كان العمل يُصوَّر على شريط سينمائي خام، فحاولتُ ترجمة ذلك الشعور بصرياً عبر إبراز حُبيبات الصورة ومنحها ملمساً أكثر خشونة، فتنقل للمُشاهد ذلك الإحساس الكثيف بالرطوبة والحضور المادي للهواء.

* كيف تنظرين إلى تعاونك الطويل مع المخرج كيوشي كوروساوا؟
- يمتلك كوروساوا قدرة لافتة على التقاط أبسط الأفكار وتوسيع آفاقها إلى أقصى حدّ. كثيراً ما أطرح ملاحظة أو تصوّراً أولياً، فيُحوّله إلى بناء بصري أكثر ثراءً واتّساعاً وقوة. أعتقد أنّ أحد أسرار استمرار تعاوننا هو أننا حافظنا دائماً على مسافة مهنية صحّية بيننا. لم نسعَ إلى إلغاء الحدود أو إلى التقارب المفرط. أبقينا العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والاستقلالية، وهو ما منح هذا التعاون حيويته واستمراريته. في كلّ مشروع كنتُ أشعر كما لو أنني أبدأ من الصفر، وكأنّ التجربة الأولى تتجدّد. هذا الإحساس الدائم بالبداية هو ما حال دون تحوّل العمل المشترك إلى روتين، وأتاح له أن يستمر سنوات. على سبيل المثال، إذا قلتُ له إن لقطة عُلوية معينة تذكّرني بلفافة يابانية مصوّرة (إيماكيمونو)، فقد يجيب فوراً: "إذاً لنضع سكّة للكاميرا، ولنجعل الحركة أشبه بلفافة تُفرد أمام أعيننا". كان يأخذ فكرة صغيرة ويُطوّرها إلى تصور بصري متكامل يتجاوزها بكثير لجهتَي التنفيذ والدلالة. وأظن أنّ هذه القدرة على توسيع الخيال المشترك هي ما جعل تعاوننا مثمراً إلى هذا الحدّ.

 

خلال تكريمها في مهرجان كانّ 2026. (بولين ماييه)

*يمكن إنجاز فيلم من دون ممثّلين، بل وربما من دون سيناريو، لكن يستحيل إنجازه من دون مدير تصوير. فالصورة هي جوهر السينما ووسيطها الأساسي. في رأيك، هل يحظى مدير التصوير بالتقدير الذي يستحقّه، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الصورة "رخيصة"؟ 
- في العصر الرقمي، بات في متناول أي شخص أن يصوّر ما يشاء بمجرّد امتلاك كاميرا. أصبح من السهل إنتاج صور تبدو جميلة وجاذبة من الناحية البصرية. لهذا السبب، أصبحتْ صناعة الصورة أكثر يُسراً بكثير ممّا كانت عليه في السابق. لكنني أعتقد أنّ معظم هذه الأعمال قد تستقطب الاهتمام لمدّة قصيرة فحسب. ففي النهاية، تخضع الأعمال الفنية لنوع من الانتقاء الطبيعي. لن يبقى على المدى الطويل سوى ما يمتلك قيمة حقيقية وعمقاً فنياً. لذلك، لا أنظر إلى هذه الظاهرة بسلبية أو قلق، بل أراها جزءاً من مسار طبيعي ستتكفّل به الأيام. أشعر بقدر كبير من الطمأنينة تجاه المستقبل.

* ما الذي يُمثّله الضوء بالنسبة إليكِ من الناحية الفلسفية؟
- لا أرى الضوء عنصراً ثابتاً أو حقيقة واحدة. فالعين البشرية تعمل بطريقة تلقائية تجعلها تميل إلى رؤية العالم بصورة متوازنة ومتناغمة. غير أن الضوء في الواقع ليس واحداً؛ إنه يتبدّل باستمرار ويحمل درجات لا حصر لها من الألوان والخصائص والملامح. لهذا أحاول، في عملي السينمائي، أن أكتشف السمات اللونية الكامنة في الضوء وأنقلها بأكبر قدر ممكن من الصدق والحساسية. أما عندما أصوّر في الفضاءات الخارجية، فأتعامل مع ضوء الشمس على أنه المرجع الأول والأساس الذي تُبنَى عليه الصورة، وأفكّر دائماً في كيفية تطويعه وتشكيله ليصبح عنصراً تعبيرياً يخدم الرؤية الفنية للفيلم. فالضوء، بالنسبة إليّ، ليس مجرّد وسيلة للإظهار، وإنما مادة حية تمنح العالم شكله وإيقاعه ومزاجه الخاص.

* كثير من الأفلام المعاصرة باتت تعتمد على صور فائقة الدقّة، حتى إنها تبدو أحياناً مُصطنعة. هل تخشين أن تفضي هذه الكماليات الرقمية إلى إفقاد السينما شيئاً من سحرها وغموضها؟
- حتى الصورة شديدة الدقّة يمكن أن تحمل مشاعر إنسانية صادقة، ولذلك لا أتعامل معها على أنها أمر مرفوض. لكنني أحرص دائماً على إدخال شيء من العتمة والاختلال داخل الصورة، مثل ألوان غير مألوفة، أو ما قد يُعدّ "غير جميل" وفق المعايير الجمالية السائدة. أرى في ذلك ضرورة فنية بالغة الأهمية. أحياناً، أطلب من مسؤول الإضاءة استخدام لون لا يبدو "طبيعياً" تماماً، يصعب تحديده أو تصنيفه، أقرب إلى لون الطين أو التراب الرطب. ما يهمّني هو أن تحتفظ الصورة بشيء من خشونتها وغموضها، وألا تتحوّل إلى سطح يخلو من المفاجأة والحياة.

* هل تشعرين أن الكاميرا أصبحت امتداداً لجسدك؟
- أتمنى ذلك، وإن لم يحدث دائماً بالدرجة التي أطمح إليها. مؤخراً اشتريتُ جهاز تثبيت حركة من طراز DJI Ronin 4، وأجريتُ عليه بعض التعديلات التي تسمح باستخدامه بمرونة أكبر. ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ قادرة على تحريك الكاميرا بخفّة وسلاسة أكبر، حتى أشعر أحياناً بأنها تتحوّل فعلاً إلى امتداد لحركة جسدي. يمكن القول إنني مهووسة به في هذه المرحلة. أتذكّر أنّ أحد المصوّرين الذين أكنُّ لهم احتراماً كبيراً قال يوماً إن الكاميرا ينبغي أن تكون بالنسبة إلى مدير التصوير كما تكون الآلة الموسيقية بالنسبة إلى العازف. أحبّ هذه الفكرة كثيراً لأنها تُعبّر بدقّة عن العلاقة التي أبحثُ عنها دائماً: علاقة تتجاوز التقنية والأداة، لتصبح نوعاً من الحدس الجسدي والإحساس المباشر بالصورة.

* ما رأيكِ في التحوّل الذي شهده التصوير الفوتوغرافي في الحياة اليومية؟ قبل 50 عاماً، لم يكن التقاط الصور مُتاحاً للجميع، أما اليوم فأصبح في إمكان أيّ شخص أن ينتج الصور في أيّ وقت. هل غيَّر ذلك معنى الصورة؟
- كما قد تصادف في الشارع مغنّين يملكون أصواتاً أجمل من أصوات بعض المغنّين المحترفين، هناك أيضاً أشخاص لا يعملون في التصوير بشكل احترافي، لكنهم يلتقطون صوراً مدهشة. ومع الثورة الرقمية وما أتاحته من إمكانات غير محدودة، ازداد عدد هؤلاء بشكل كبير. وأرى في ذلك أمراً إيجابياً. لكن ممارسة التصوير السينمائي على نحو احترافي مسألة مختلفة تماماً وأكثر تعقيداً. فبالنسبة لي، لا يقتصر الاحتراف على امتلاك المهارة التقنية أو الحسّ البصري، بل يتمثّل في القدرة على العمل داخل منظومة كبيرة تضمّ عشرات التقنيين والفنّانين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بصمة شخصية واضحة، وعلى إمكانية إنتاج صورة تمتلك قوتها الخاصة وتأثيرها المستقلّ. بمعنى آخر، الاحتراف هو أن تنجح في التعبير عن فرديتك داخل عمل جماعي بالغ التعقيد، من دون أن تفقد رؤيتك الفنية. ولهذا السبب أبدأ كلّ مشروع بالعودة إلى المراجع. أتأمّل اللوحات الفنية، وأراجع الصور الفوتوغرافية، وأشاهد أفلاماً أخرى، لأنّ هذه المواد تساعدني على توسيع خيالي البصري وصياغة لغة الفيلم الذي أعمل عليه.

 

أثناء حوارها مع ”النهار“.

 

* هل تسعين إلى ابتكار صور جديدة منقطعة عن أيّ مرجع سابق، أم أنّ عملكِ يتغذّى من التأثيرات الفنية التي سبقتكِ؟
- أكنُّ احتراماً عميقاً للتاريخ ولكلّ ما أُنجز قبلنا. وبحكم عملي، لا أكتفي بدراسة تاريخ السينما وحده، بل أحرص أيضاً على متابعة الرسم والمسرح وسائر أشكال التعبير الفنّي، بل وحتى الظواهر الثقافية التي قد لا تُصنَّف فنّاً بالمعنى التقليدي. أؤمن بأنّ الصورة لا تولد من فراغ، بل تنشأ من حوار مستمرّ مع العالم والذاكرة الإنسانية المتراكمة. لذلك، عندما أستعدّ لتصوير فيلم في بلد معين، أحاول أن أفهم ذلك المكان. فإذا كنتُ أعمل في إندونيسيا، أقرأ عن تاريخها وثقافتها وخصوصيتها الاجتماعية. وإذا كنت سأصوّر في لبنان، فسأفعل الأمر نفسه معه. أشعر أنّ من واجبي، قبل أن أوجّه الكاميرا نحو مكان ما، أن أحاول الإصغاء إلى تاريخه. هذه هي الطريقة التي أعمل فيها.

* هل تفضّلين العمل مع مخرجين يمنحونكِ مساحة من الحرّية، أم مع أولئك الذين يمتلكون رؤية دقيقة وتعليمات واضحة؟
- أحاول دائماً أن أقترب من طريقة تفكير المخرج وأفهم رؤيته بأكبر قدر من العمق. مهمّتي هي أن أنسجم مع تلك الرؤية وأساعد على تجسيدها بصرياً.

* كثر من مديري التصوير يتحدّثون عن تأثير الرسم في تكوينهم البصري. هل ترين أنّ امتلاك خلفية فنية في الرسم أمر ضروري لمَن يعمل في التصوير السينمائي؟
- شخصياً، لا أرسم، ولستُ بارعة في ذلك. لكن ما أعتقد أنه ضروري حقاً هو الفضول. لديّ فضول كبير تجاه كلّ ما يحيط بي، وأشعر برغبة دائمة في المراقبة والتأمّل واكتشاف الأشياء. على سبيل المثال، عندما أكون في كانّ، قد أقرّر الذهاب إلى مرسيليا لمجرّد التجوّل والمراقبة. لا أسعى إلى شيء محدّد بالضرورة، أنا فقط مهتمّة بالعالم من حولي، وأشعر أنّ كلّ ما أراه يمكن أن يُغذّي نظرتي إلى الصورة.

* بعد كلّ هذه السنوات خلف الكاميرا، هل راودتكِ يوماً فكرة الانتقال إلى الإخراج؟
- أبداً! لا أعتقد أنني أمتلك موهبة الإخراج، كما أنني لم أشعر يوماً برغبة حقيقية في خوض هذه التجربة. ما يشدّني دائماً هو الصورة، والعلاقة الخاصة التي تربطني بها.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية