سيدات يحوّلن مطابخ البيوت إلى “مؤسسات” مصغرة

لم يعد النجاح في عالم الأعمال مرتبطا بالمحلات التجارية الجميلة المتواجدة في وسط المدن أو “المولات” الشاسعة، أو رؤوس الأموال الكبيرة، بل أصبح بإمكان مطبخ منزلي، وهاتف ذكي، وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن يصنع مشروعا ناجحا يدر دخلا محترما ويستقطب عشرات الزبائن يوميا، هذا هو الواقع الذي فرضته ظاهرة جديدة تعرف انتشارا واسعا بولايات خنشلة وأم البواقي وباتنة وتبسة وولايات أخرى. حيث نجحت عشرات النساء في تحويل موهبتهن في الطبخ إلى مشاريع مصغرة، تقدم يوميا مختلف الأطباق التقليدية والعصرية، مع خدمة التوصيل إلى غاية باب المنزل.
تقول ياسمين، ابنة خنشلة وهي أم لطفلين: “قبل سنوات، كان النشاط المنزلي النسوي يقتصر في الغالب على إعداد الحلويات أو بعض المأكولات الخاصة بالمناسبات، لكن المشهد تغير بشكل لافت، بعدما اقتحمت النساء مجال تحضير وجبات الغداء والعشاء، والوجبات السريعة، والسندويتشات، والمقبلات، والحلويات، والعصائر، وحتى أطباق المناسبات والأعراس، لتصبح مطابخهن مؤسسات إنتاج حقيقية تعمل وفق برنامج يومي منظم”.
وتواصل ياسمين: “مع ساعات الصباح الأولى، تنشر صاحبات هذه المشاريع عبر صفحاتهن على “الفايس بوك”، “الإنستغرام”، قائمة الأطباق المتوفرة تحت عنوان “برنامج اليوم”، مرفقة بالأسعار وصور الوجبات، لتبدأ بعدها الطلبات في التوافد من مختلف الأحياء، بل وحتى من البلديات المجاورة”. وتقول ياسمين بأن الزبائن من المرضى والمحتفين بضيف عزيز، وليس بالضرورة الولائم والأعراس.
واللافت أن هذه المشاريع لم تعد تعتمد فقط على الطبخ، بل أصبحت تقدم خدمة متكاملة تبدأ باستقبال الطلبات إلكترونيا، ثم إعداد الوجبات وفق معايير النظافة والجودة، لتنتهي بإيصالها إلى الزبون عبر خدمة التوصيل، التي يقوم بها الشقيق أو الابن أو حتى الزوج عبر سيارة أو دراجة نارية وهو ما جعل الكثير من الموظفين والطلبة والعزاب والعائلات يقبلون عليها بشكل متزايد.
ويؤكد عدد من الزبائن أن الطبخ المنزلي أصبح الخيار المفضّل لديهم، لما يتميز به من جودة المكونات، والطعم التقليدي الأصيل، والنظافة، والأسعار المناسبة، إضافة إلى إمكانية طلب أي طبق حسب الرغبة، سواء كان أكلة شعبية أو وجبة عصرية.
من جهة أخرى، تؤكد صاحبات هذه المشاريع، على غرار أم داود، الحسناء، أم نريمان، وغيرهن ممن التقت بهن “الشروق اليومي” في معرض للنساء العاملات في البيت، أن مواقع التواصل الاجتماعي كانت نقطة التحوّل الحقيقية، إذ لم يعد التسويق يتطلب محلا أو واجهة تجارية، بل يكفي نشر صور جذابة للوجبات، واحترام المواعيد، والحفاظ على الجودة، حتى يتحوّل الزبون إلى وسيلة إشهار مجانية من خلال مشاركة تجربته مع الآخرين، في الوقت الذي يرى متابعون أن هذه الظاهرة تعكس روح المبادرة التي تتمتع بها المرأة الجزائرية، التي استطاعت أن تحوّل مهارة يومية إلى نشاط اقتصادي منتج، يساهم في تحسين دخل الأسرة، ويوفر فرص عمل لشباب ينشطون في مجال التوصيل، كما يساهم في تنشيط الحركة التجارية المحلية.
غير أن هذا النجاح، رغم أهميته، يبقى بحاجة إلى مرافقة فعلية من مختلف الهيئات المعنية، من خلال توفير دورات تكوينية في الصحة والسلامة الغذائية، ومرافقة الراغبات في إنشاء مؤسسات مصغرة، وتسهيل الحصول على الاعتمادات القانونية، بما يضمن حماية المستهلك وتشجيع الاستثمار المنزلي.
إن ما يحدث اليوم، ليس مجرد موضة عابرة، بل هو تحوّل اقتصادي واجتماعي يعكس قدرة المرأة الجزائرية على التكيّف مع المتغيرات وصناعة فرص النجاح بإمكانات بسيطة. ومن قلب المطابخ المنزلية، تواصل عشرات النساء كتابة قصص كفاح ملهمة، تؤكد أن الإرادة والعمل الجاد قادران على تحويل أبسط الأفكار إلى مشاريع ناجحة، وأن لقمة الحلال، ستبقى دائما عنوانا للكرامة والإبداع.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post سيدات يحوّلن مطابخ البيوت إلى “مؤسسات” مصغرة appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk