"سوق النميمة الكبرى" .. صناعة الوهم وتسويق الرداءة في زمن المؤثّرين
حين تبيعُ المنصّات ما تبقّى من العَقْل
أيُّ بطولة هذه التي تقيس الشجاعة بعَدد الإعجابات، وتزنُ الكرامة بميزان الرّعاة؟ وأيُّ عبقرية هذه التي تحوّل الهاتف إلى مَكتبِ سَمْسرة، والصَّفحة إلى واجهة نِفاق، والضَّمير إلى زرّ تشْغيل وإيقَاف؟ هل صار بعضهم يفتح الكاميرا كما يفتح الدَّلال دفترَ المزاد: من يرفع السِّعر أولًا، ومن يشتري الصَّمت كاملًا، ومن يحجِزُ جُرعة المديح مع خدمة التبَّرير المجانية؟ كيف صار الكلام كثيرًا إلى هذا الحدّ، بينما الفكرة نفسها تدخل المجلس مُرتجفة غريبةً لا تعرفُ أحدًا؟ ثم من قال إن كثرة الوُجوه تعني حضورًا، وإن وفرة التعليقات تعني أثرًا، وإن اللَّمعان يقدر على ستْر هذا الخَراب الذي يلتهمُ الذّوق والثّقة معًا؟
كلُّ شيء مُحتوى… حَتَّى العَدم
تنمو قنوات اليُوتيوب في هذه الأيام كما ينمُو الفطر بعد مطر مريب؛ لا أحد يعرف أصلها، ولا ما الذي يغذيها. في كل دقيقة يظهر “صانع محتوى” جديد، يخرج من الفراغ وهو يحمل يقينًا كاملًا بأنه جاء ليغيّر العالَم، أو ليقنعكَ في الحدّ الأدنى بأن طريقة تقشيركَ للبطاطس تحتاجُ إلى مراجعة عاجلة.
في هذا العالم الموازي، لا تحتاج إلى عِلْم حقيقي، وإنما تحتاج إلى قدر كافٍ من الجُرأة لتتحدث بثقة عن أي موضوع؛ من الفيزياء الكمّية إلى تربية السّلاحف، وصولًا إلى تحليل العلاقات العاطفية لمشاهير لا يعرفهم أحد. ولا تكمن المفارقة في كثرة هذه القنوات وحدها، وإنما في هذا التشابه المقلق بينها: العناوين نفسها، والانفعالات نفسها، والدهشة المصطنعة نفسها التي توهمكَ أن كلَّ فيديو يقدّم اكتشافًا استثنائيًا.
ويزداد المشهد سخرية حين يتحدث الجميع عن “صناعة المحتوى” كما لو كانت حرفة عريقة تقوم على أصول دقيقة وأخلاقيات رَاسخة، مع أن الأمر في كثير من الأحيان لا يتجاوز إعادة تدوير الفراغ في قالب لامِع، تُصاحبه موسيقى حماسية وصورة مصغّرة تصرخ في وجهك: “لن تصدق ما سيحدث بعد ذلك!”. والمفارقة أنك تصدق، ثم تضغط، ثم تندم، ثم تعود فتضغط مرّة أخرى. إنها غابةٌ رقميةٌ لا يفسح فيها المجال للأكثر حِكْمة، وإنما للأكثر صَخبًا. وكلما ارتفع الضجيج، تراجع المعنى، حتى غدا الصمت نفسه مادة نادرة تحتاج إلى شرح مطوّل في فيديو يمتد عشر دقائق، تتخلله الإعلانات ورسائل الشكر لرعاة لا صلة لهم بالموضوع. هكذا تنمو قنوات اليُوتيوب: لا كأشجار مثمرة، وإنما كطحالب ذكيّة تلتصقُ بكل سَطح، وتتوسَّع بسُرعة، وتمنحُ المتلقي إحْساسًا زائفًا بالحَياة، مع أنها في العُمق ليست سوى تكرار مَصقول للعَدم.
مِنبرُ الكذب اليَوميّ
في راهننا الذي كان يُفترض أن تكون فيه مواقع التواصل فضاءً للتعبير وتبادل المعرفة، تحوّل بعضها إلى ما يشبه “سوقًا سوداء” للكلام: بضائعُها إشاعات، وعُمْلتها التّطبيلُ، وتجّارها مُؤثِّرون لا مهنة لهم سوى النّفخ في الفراغ، وتلميع الوُجوه نفسها، وخدمة المقربين والوُصوليين بإخلاصٍ يُثير الشّفقة أكثر مما يثير الاحترام. فقد صار بعضهم يستيقظ صباحًا لا ليسأل: ماذا سنقدّم للناس؟ وإنما: منْ سنلمّع اليوم؟ من سنُهاجم؟ وما الكذبة المناسبة لرفع التّفاعل؟ هكذا ببساطة، تحوّلت صفحات كاملة إلى مسارح رخيصة، أبطالها مُهرِّجون بوجُوه واثقة، يبيعُون الوَهم على هيئة “خبر عَاجل”. أما جُمهورهُم، فيُعاملونه كأنه قطيعٌ ذَاكرتُه قصيرةٌ، يبتلعُ كلّ شيء: الأكاذيب، التّلميحات، الاغْتيال المعنوي، حمَلات التّشويه، ثم يطلبُ المزيد. لا مِهنية تُحترم، ولا ضَمير يُستشار. المهم أن يبقى الاسم متداولًا، والصّورة لامعة، كما لو أننا أمام جمعية تعاونية لتبادل المصالح لا أمام منصّات يفترض أنها تخاطب الرَّأي العام؛ إنّ أكثر الناس حديثًا عن “الجرأة” هُمْ، في الحقيقة، أشدّهم خضوعًا، وأكثرهم ادّعاءً للاستقلالية. إنهم لا يصنعون مُحتوى، يصنعون ضبابًا؛ لا ينقُلون وعيًا، يوزّعون سُمًا اجتماعيًا مغلفًا بابتسامات مصطنعة وشعارات جوْفاء. لقد صار بعض “المؤثرين” أشبه بسَماسرة معْنَويين: يقتاتُون على الفضائح، ويَعيشُون على تَضْخيم التّافه، ويُجيدُون الانحناء لكل نافذ، ثم يخرجون على الناس بوجه الواعظ النّزيه.
التّافهون حين يرتَدُون قناعَ الإعْلام
هكذا، أصبحتْ بعض هذه الصّفحات متخصِّصة في نشْر تَافه الكَلام وتَحويل الكَذب إلى انْتهازية، والتَّمَلُّق إلى خطّ تحريري ثابت. وهذه ليست مجرد إساءة للمهنة أو للكلمة، إنها إهانة مباشرة لعُقول الناس. لم تعد المشكلة في أن بعض الصفحات تنشر الإشاعات، وإنما في أنها أضحت تتعامل مع الكذب كأنه “خُطّة عمَل” لها أهداف ومؤشرات أداء. هناك من لا يملك مشروعًا ولا فكرة ولا قضية، لكنه يملك أنْفًا خارقًا لِشَمّ أين تُوجد المصْلحة، ثم يُهَرْولُ إليها كما يُهرول المتسوّل إلى مَائدة وليمة ليَسْألَ: كم حصةً سأحصل إذا نافقتُ جَيِّدًا؟ بعض هؤلاء لا يمكنُ وصفُهم حتى بمُؤثرين، لأنَّ التأثير يَفترض وُجود مضمون، وهؤلاء مضْمونُهم الوَحيد هو الفَراغ المغلَّف بالوَقَاحة. هُمْ مجرّد أبواق متنقلة، بوجوه مصقولة، ولغة مُتعالية، وأخلاق مطّاطية تتمدَّد وتنكمشُ بحسب اسم الشّخص المستفيد؛ فإِنْ كانَ من “المُقرَّبين”، صار ملاكًا نازلًا من السَّماء، وإن كان خارج الدّائرة، تحوّل فجأة إلى خَائن وفاسد وعدُوّ للنّجاح. والأشد إثارة للاشمئزاز أن بعض هذه الصفحات لا تكتفي بترويج الرَّداءة، وإنما تصنع لها هيْبة وهْمية. ترفعُ التّافهَ إلى مقام الخَبير، والوُصولي إلى مقام المُناضل، والانتهازي إلى مقام النّاجح المُلهِم. هناك أيضًا نوع آخر أكثر انْحطاطًا: ذلك الذي يتظاهر بأنه ضدَّ الفَساد وهو في الحقيقة مُجرد سَمسارِ نُفوذ بلَهجة أخْلاقية. يصرخُ كثيرًا عن القِيم، إلى أن يرنَّ هاتفه من جهة نافذة، فيبتلعُ صوتَه دفعة واحدة، ثم يعودُ إلينا في منْشور طويل عن “ضرورة التَّريُّث” و”عدم الانْجِرَار وراء الأحْكام”.
الارتزاق الرّقمي في خدمة الرّداءة
أما البعض الآخر فإنه حوّل الفَضاء الرّقمي إلى مَزرعة دوَاجن بَشرية: يوزّع العَلَف على أتباعه في شكل منشورات غاضبة، فيتهافَتُون للنَّقْر، والسَّب، والتّصْفيق، وإعادة تدْوير المنشور نفسه باعتباره رأيًا وتحليلًا. لا أحدَ يقرأ، لا أحد يتَحقّق، لا أحد يُفكِّر. والأدهى أنهم لا يخجلون من انكشافهم. يكذبون اليوم، ويُناقضون أنفسهم غدًا، ثم يخرجُون بعد أسْبوع بوجْهِ خَبير استراتيجي يشرحُ للناس “ما يجري خلف الكَواليس”، وكأن فُقدان الكرامة أصبح من مُتطلَّبات الوظيفة. لا يملكُون ثباتًا في الموقف، لأن الموقف نفسه عندهم سلعة موسميّة؛ يتغيَّر حسب الجهة الدّافعة، وحسبَ حجم الفائدة. بصراحة، كثير من هذه الصفحات لم تعد تستحق وصفها بالإعلام: إنها شبكاتُ خدَمات رديئة، تعملُ بنظام المصلحَة، وتُقدّم نفسها على أنّها صوتُ الناس، بينما هي في الحقيقة صوت الممَرّات الخَلْفيّة، والصَّفقات الصَّغيرة، والتَّحالُفات التي لا تعيش إلا في الظِّلّ؛ ولذلك، فهيَ لا تبحث عن الحقيقة، لأن الحقيقة تفضحُها، ولا تحترم الجُمهور، لأنّ الجمهور بالنسبة لها مُجرد أرقام ترفعُ السِّعْر عند التَّفاوُض.
الخوارزمية التي تَصْنَعُ الأوْهَام
ثمّ هناك صانع المحتوى الذي يبيعُ التّفاهة بذكاء ويحوّله إلى مشْروع مُربح. يعرف خوارزميات الشهرة أكثر لأنّها تمكِّنه من اصْطياد الانتباه بالطَّريقة نفسها التي يرتّب بها التّاجر المتمرّس واجهة مَتْجره: ألوانٌ صارخة، عناوين مستفزّة، ضحك سَريع، صدمة مَحْسوبة، ثم لا يكاد يجد المتلقي شيئًا خلف الزّجاج.
لا يُنتجُ هذا النّموذج مُحتوى بقدر ما ينتج مادّة سَهلة الاسْتهلاك. يزِنُ الجُملة بميزان المشاهدَات، ويقيسُ المعنى بمِسْطرة التّفاعل، ويحسب التّصفيق الرّقمي دليلًا على الجَودة، كأنَّ ازدحام الجماهير حول شيء ما يكفي كَيْ يمنحهُ قيمة حَقيقية. يعرفُ متى يبالغُ، ومتى يفتعلُ، ومتى يكسُو السّطحية بلِبَاس “الخِفَّة”، ثمّ يخرج إلى النّاس بملامح الخَبير، بينما لا يُؤدي في الحقيقة إلاّ دورَ مُوظف بَارع في شَركة اسْمُها الانْتباه. يحسبُ كل شيء بِدِقَّة: نبرة الصّوت، ومدة الصّمت، وزاوية الوجه، ولحظة الاستفزاز، وجُرْعة الحَميمية المُصْطنعة. والمفارقة الساخرة أنَّه يُكْثر من الحَديث عن “الأثَر”، لكنَّه لا يخلّف إلا ضوضاء مَصْقولة. يربح من “اقتصاد التفاهة” لأنه فهم قاعدة السُّوق جيدًا: “لا تمنحْ الناس ما ينفعُهم، امنَحْهُمْ ما يُبقي أصبعهم متحركًا”. ليست مشكلته في طلب النجاح، فالنجاح هدفٌ مشروع، مشكلتُه الوحيدة تكمن في كونه اختصر القِيمة في الرَّواج، حتى أقْنع نفسه بأنّ منْ يحصُدُ مشاهدات كثيرة يستحقُّ قيمةً كبرى. هنا يبلغ الابتذال قمَّته: صانعُ محتوى يبيعُ الفراغ بمَهارة، ثمَّ يتصرَّفُ كأنه شَيّد حَضارة كاملة، فقط لأن الخوارزمية ابتسمتْ لهُ.
القِناعُ الذي ظنّ نفسَهُ وجْهًا
ألهذا الحدّ صار بعضُ الناس يخلطُون بين التأثير ورَفع الصَّوت، وبين الحضور واحتلال الشّاشة، وبين القيمة وحُسن استخدام المؤثّرات؟ وهل أصبحنا نحتاجُ فعلًا إلى خَبير يشرحُ لنا كلَّ مساءٍ كيف نُصدّق مَنْ كذب علينا صباحًا؟ وهل يظنّ بائع الضَّجيج أنَّه كلَّما غلّف الرَّداءة بوَرقٍ لامِع صارتْ هديَّة فكرية؟ أم لعلّه صدّق أخيرًا أن القناع وجْهٌ، وأن الصَّدى رأيٌ، وأن كثرة المتابعين شهادةُ كَفاءة؟ فإلى أينَ يمضي مُجتمعٌ يستهلكُ الصَّخب، ويُكافئ الاسْتعراض أكْثر مما يُكرّم الصِّدْق؟
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
The post "سوق النميمة الكبرى" .. صناعة الوهم وتسويق الرداءة في زمن المؤثّرين appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.