سوق الشراطين بفاس العريقة .. ذاكرة التجارة والحرف والتحولات اليومية

سوق يشبه في تشكيلته الجغرافية غصنًا بأربعة فروع، اثنان في شماله ومثلهما في جنوبه. فأحد امتداديه في شماله يفضي إلى مدخل الأسواق التجارية للمدينة العتيقة من الناحية الغربية، سوق القطانين، بمزيجه الحي من المؤسسات البنكية والصناعات اليدوية الخفيفة كالخياطة والحياكة، ومتاجر المواد الخام، والبنايات التاريخية كالفنادق، ودكاكين المواد الاستهلاكية اليومية الخفيفة.

أما امتداده الشمالي الشرقي الآخر، فتصب يمناه في سوق الشماعين، بتنوع معروضاته من الفواكه الجافة وشموع الزينة ومطروزات النسيج والأثواب، وتتصدر واجهته السفلى أعتى وأهيب بوابات جامع القرويين، باب الشماعين، بحمولتها من وقائع وأحداث تاريخية. كما يؤدي يسار هذا الامتداد الشمالي الشرقي لسوق رأس الشراطين إلى سوق صغير ومعبر مباشر إلى الحرم الإدريسي وإلى إحدى بوابات المجمع التجاري “القيصرية”. هذا المعبر والسوق القصير، الذي يوجد أكثره داخل الحرم الإدريسي وأقله خارجه، حمل عبر تعاقب الأيام وتقلبات الدهر عدة أسماء، مثل “المضايمية”، “سوق العقاد”، “سوق التنبات”، “سوق السفيفة”، وغيرها من الأسماء التي تشير إلى تكيفه مع تطورات الصناعات اليدوية حتى يوفر لها حاجياتها من السلع.

أما الامتدادان السفليان لنهاية رأس الشراطين الجنوبية، فتنفتحان على سوقين حرفيين كان لهما في الماضي أهمية خاصة في حياة الساكنة الفاسية. يمينًا سوق “القزادريين”، الذي كان يوفر، وإلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي، حاجة الساكنة من الأواني القصديرية، من محاقن، وقطارات ماء الزهر وماء الورد، وغيرها من الزهور والنباتات التي كان سكان فاس يقطرونها، وقواليب تشكيل الحلويات، وصحون المعجنات التي كانت تُطهى في الأفران العمومية مثل البسطيلة والرغائف والسمك والطحال، والحلويات والكعك من “كعب الغزال” و”الغريبة” بأنواعها. كما يفضي هذا المنفذ إلى سوق شرائط الدوم، الذي منه حمل السوق اسمه، الشراطين، و”الشطابات” (المكانس)، و”العزافات” (شطابات بعصي طويلة جدًا) لتنظيف الجدران والسقوف المرتفعة. وحتى اليوم لا يزال الفندق في الدرب المجاور يحمل اسم فندق الشطاطبيين.

فقد تحول هذا السوق، “القزادريين”، الذي يصل بين رأس الشراطين ومطبخ العزاب والحرفيين العمومي لفاس الجنوبية، باب السنسلة، الذي يعرض باكرًا معجنات الإسفنج، ورؤوس الأغنام المبخرة، وحساء الفول (البصارة)، وكؤوس الشاي بالنعناع، ونهارًا ومساءً كل أنواع المأكولات، تحول هو الآخر اليوم إلى سوق للصناعة السكرية، التي كانت في الماضي لا تُباع إلا في شهر رمضان، مثل “كيوش” و”الشباكية”. فاليوم تُعرض في هذا السوق طيلة السنة، وأضيف إليها أنواع أخرى من المنتوجات الحلوة، مثل “سلو” (السفوف)، والبريوات، والمثلثات، والمخرقة، ورزة القاضي، والقنانط، وما إلى ذلك من منتوجات المعجنات ذات المذاق الحلو.

الامتداد الثاني الجنوبي من الشمال يفضي إلى سوق “القبابين”، الذي كان متخصصًا في صناعة خشبية معينة: القباب، سطول الحمامات، مكاييل الحبوب والقطاني، مكاييل زكاة الفطر، والغراريف للشرب، وهي صناعة انتقلت من الأندلس إلى فاس وبقيت في أوروبا القرون الوسطى إلى ظهور الثورة الصناعية.

فسوق رأس الشراطين، علاوة على أنه يمثل ممرًا أساسيًا يُغني عن عبور الأزقة المحيطة بجامع القرويين من جانبها الشرقي أو الغربي بغرض الوصول إلى الأسواق الجنوبية، فقد كان سوقًا له أهمية همزة وصل بين أسواق تجارية في وسط المدينة العتيقة وجنوبها. فبين منفذيه الشماليين كانت جلسة حمالة فاس “زرزاية”، ما يدل على أهمية هذا السوق من الناحية التجارية. كما أنه السوق الوحيد في فاس كلها الذي يشتمل على سقايتين للماء، ومسجدين، وكتاب للقرآن. سكنه أحد أعمدة المسرح الفاسي والمغربي، المؤلف والممثل والمخرج والحكواتي محمد صوصي علوي هاشم، المعروف بسيدي خويا، في فترة دراسته في القرويين، وكذلك أثناء التحاقه بجمعية المسرح الشعبي، حيث أخرج مع هذه الفرقة أعمالًا مثل مسرحية “الذنب والمقصلة” للكاتب أحمد التسولي و”يا هاجر الكنز” لعبد الحق الزروالي. كما عمل في الفرقة الوطنية وشارك في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية المغربية.

سوق الجديد

يتميز سوق رأس الشراطين عن غيره من أسواق المدينة القديمة بسبق تجاره وجرأتهم في عرض الحديث في عالم الموضة، والتكيف مع المستجد في تجارة سلع الملابس الجاهزة، سواء بالنسبة للرجال والأطفال من أحذية وملابس داخلية ومحلات لخياطة البدلات العصرية، وخاصة ما يتعلق منها بالنساء من أحذية وألبسة حديثة وتقليدية من قفاطين وجلاليب بحلة جديدة، إلى جانب دكاكين للعطور الحديثة المستوردة وأدوات التجميل وحقائب يدوية.

فقد عرف هذا السوق، قبل غيره من أسواق فاس القديمة بكل تفرعاتها، أول صالون حلاقة للنساء، الذي كان يمثل حدثًا في المجتمع الفاسي، الذي استقبل هذا الدكان غير المعتاد بآلاته التي تشبه خوذات رواد الفضاء الكبيرة، تدخل فيها النساء رؤوسهن من أجل تصفيف الشعر. هذه الظاهرة الجديدة كان يُنظر إليها بمزيج بين رفض وقبول، غير أن الموقف الرافض، الذي يوجد جغرافيًا بين حرمي المدينة، جامع القرويين وضريح مولاي إدريس، بقيت مواقف خاصة لم تصل إلى مواقف عدائية أو علنية اتجاه الصالون.

فقلة الدور والمساكن في هذا السوق، واحتضانه لسبعة من الفنادق التجارية في الأصل، والتي لا توجد بهذا العدد في أي سوق تجارية أخرى في المدينة القديمة، والتي تحولت مع مرور الزمن إما إلى مدرسة لإقامة الطلبة وتدريس العلوم الشرعية، أو مستودعات لبضائع تجار الجملة أو التقسيط، أو إلى مصرف مالي، أو إلى صيدلية حديثة، أو تحولت محلاتها إلى دكاكين تجارية متنوعة، دليل على النشاط التجاري الذي كان يعرفه هذا السوق بعد تحوله من تجارة الشرائط والقفف والشطابات، وكل ما له علاقة بصناعة نبات الدوم قديمًا، إلى تجارات مختلفة ومتنوعة.

سوق استثناء

لم يضم هذا السوق، على غير العادة، فقط ما له علاقة بالملابس والعطور وأدوات الزينة، بل أيضًا ما له علاقة بما هو يومي وله علاقة بالتغذية. فقد تميز هذا السوق باحتوائه فندقًا تجاريًا تفرد به في الماضي، وإلى فترة بداية السبعينيات من القرن الماضي، يمكن القول إنه استثناء عن باقي الأسواق، هو “فندق اللحم”. له ميزان كبير كمثله في بقية معظم الفنادق التجارية، لكن الميزان في هذا الفندق ليس من أجل وزن الصوف أو القطن وغيرها من البضائع، أو لأجل تحقق المشتري مما اشتراه من البائع، بل لوزن اللحم القادم لتوه من المسلخ. كما أن هذا الفندق كان يشبه بورصة صغيرة في عدوة القرويين لتجارة اللحوم المذكاة في المسالخ.

من معالم هذا السوق التاريخية أنه عرف أول بريد وطني، والذي كان يحمل اسم الإدارة الشريفة للبريد والتلغراف والتليفون. والمحل الذي كان فيه هذا البريد لا تزال تدل عليه اللافتة المنقوشة بالعربية على الخشب في أعلى مدخله، لكن للأسف فقد حجبتها لافتة التاجر الذي هو اليوم في مكان البريد.

لقد كانت البدايات الأولى للبريد في فاس ما بين 1891 و1906، وهي عبارة عن مكاتب خدمات بريدية محلية خاصة نظمها التجار عن طريق استعمال أشخاص يحملون الرسائل من مدينة إلى أخرى، وغالبًا مشيًا على الأقدام، ويسمى هؤلاء الرجال الفقراء “الرقاصة”. وكان مكتب تسليم الرسائل واستلامها في دكان صغير ملتصق بسقاية ساحة النجارين. وقد عرفت هذه المكاتب الخاصة بين مدينة وأخرى باسم “البريد المحلي”، وكانت لها من فاس وجهات محددة مثل فاس صفر وفاس مكناس، وأكثر المراسلات بين فاس وطنجة، لأن ميناءها كان يستقبل أكثر البضائع المستوردة من أوروبا.

في سنة 1911 تم إنشاء المكاتب الشريفة للبريد المنظمة في مختلف المدن المغربية، وبذلك تم حل البريد المحلي والاستغناء عنه.

لقد كانت المحاولة الأولى لإنشاء بريد وطني وتقليص التجاوزات الأجنبية التي أنشأت الكثير من المكاتب البريدية، مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها، وخاصة منها تلك التي لم تكن تمارس عملها بشكل قانوني، على يد الحسن الأول في إطار جملة من الإصلاحات الإدارية التي شملت عددًا من قطاعات الدولة. فكانت أول مصلحة لبريد المغرب هي “البريد المخزني” سنة 1892. وقد فشلت هذه المحاولة نظرًا لعدة اعتبارات تنظيمية ومحدودية التوزيع، إذ لم يشمل توزيع الرسائل المرسلات إلى خارج المغرب.

فمن بين أمثلة أوردها كتاب “إنكلترا الحديثة” عن الوكالات الأجنبية التي كانت في مدينة فاس، مكتب البريد الفرنسي الذي فتح في ممر رياض حجا، وكان يشرف عليه يهودي ويساعده رقاص مغربي يتكلم الفرنسية، وذلك لضمان وصول الرسائل بين فاس والمدن الأخرى. بعد ذلك تم فتح وكالة بريدية أخرى في حي الملاح سنة 1899.

في سنة 1911 أعادت الشركة المغربية للتلغراف، والتي تم تأسيسها سنة 1907 بأمر من السلطان عبد الحفيظ، تنظيم البريد باستعمال الخيالة بدل الرقاصة الذين يمشون على الأقدام، وإصدار طوابع بريدية. وفي سنة 1912 بدأ العمل بهذه الصيغة الجديدة تحت اسم الإدارة الشريفة للبريد والتلغراف والتلفون. سنة بعد ذلك، 1913، سيتم تغيير اسم الإدارة إلى المكتب الشريف للبريد والتلغراف والتلفون.

في هذا المحل، في سوق رأس الشراطين، وبعد مرور عدد من الوكالات الأجنبية، “بعد عدد من وكالات البريد الأوروبي”، يقول المؤرخ الدكتور محمد التازي سعود، “تم إنشاء البريد المغربي مصدرًا طوابع بريدية مكتوب أعلاها بالحروف العربية وأسفلها بالفرنسية، كما أنها كانت تحمل أختامًا مخزنية.”

لم يتفرد سوق رأس الشراطين عن غيره من الأسواق بمسجدين وسقايتين وكتاب للقرآن وجملة من الفنادق التجارية، بل أيضًا بإقامة لطلبة القرويين، والتي حملت اسم السوق على عكس أغلب المدارس العلمية، “مدرسة رأس الشراطين”، التي بدأ إنشاؤها السلطان الرشيد، الذي حكم المغرب من سنة 1667 إلى 1672، في مكان منجرة كانت تابعة لأحباس القرويين. كما أورد الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه “جامع القرويين”. غير أن المؤرخ الدكتور محمد التازي سعود يقول إن مكان المدرسة “كان فندقًا لصناعة لباد الصلاة، ‘لبّد الصوف: لبده، أي نفشه وبلله بماء، جعله يتلبد’، كما جاء في المعجم”.

ولهذه المدرسة مدخلان: المدخل الرئيسي في هذا السوق الشراطين، والآخر في عمق درب صفايرة المباشر “(لباب الخلفاء) في القرويين من الجهة الغربية (السبيطريين)”. هذه المدرسة التي أتم بنائها سنة 1671 مولاي إسماعيل، الذي كانت فترة حكمه من سنة 1672 إلى 1727، وكانت تسمى المدرسة الجديدة، غير أنها اشتهرت لاحقًا باسم مدرسة الشراطين، وتعد من أجمل المدارس التي أنشئت في الدولة العلوية.

لقد تميز هذا السوق عن غيره من الأسواق بعدة مميزات، من حيث إنه ممر لا غنى عنه من أجل المضي إلى المناطق السفلى من المدينة، وكذا استجابة تجاره إلى كل مستجد تجاري والتفاعل معه، كما أنه عرف ولا يزال يعرف تقلبات سريعة على مستوى المعروضات التجارية الحديثة. كما أنه عرف إحدى أقدم صيدليات المدينة القديمة، فهو لا يعرف نمطية كما تعرفها بقية الأسواق، ولكن تقلبات وتنوع، غير أن كل هذه التغييرات والمستحدثات لا تؤثر على هويته المتميزة عن باقي أسواق المدينة العتيقة.

The post سوق الشراطين بفاس العريقة .. ذاكرة التجارة والحرف والتحولات اليومية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress