سوريا بعد رفع العقوبات... هل يبدأ التعافي أم ترتفع كلفة المعيشة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تمثل مشاركة سوريا في اجتماع مالي مغلق ضمن مسار مجموعة السبع في باريس مؤشراً متقدماً إلى انتقال العلاقة بين دمشق والغرب من مرحلة العزل السياسي إلى اختبار اقتصادي ومالي أكثر تعقيداً. فالتطور لا يرتبط هذه المرة بصورة ديبلوماسية أو بيان سياسي، بل بقدرة دولة خارجة من حرب طويلة ومنظومة عقوبات ثقيلة على العودة إلى قنوات التمويل والمعايير المصرفية الدولية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً معيشية متزايدة في الداخل.

ويكتسب الحضور السوري أهمية إضافية لأن الاجتماع انعقد داخل إحدى أهم دوائر التنسيق المالي والسياسي الغربية، حيث تُدار ملفات الدول الهشة بمنطق المخاطر والامتثال والثقة بالمؤسسات. لذلك، تمتد قيمة المشاركة السورية من رمزيتها السياسية إلى ما يمكن أن تطلبه هذه الدوائر من دمشق: مؤسسات جديرة بالثقة، وبيانات يمكن البناء عليها،  ومصرف مركزي قادر على مخاطبة الخارج بلغة الشفافية والامتثال.

وجاءت المشاركة في سياق التحضير لقمة قادة مجموعة السبع في حزيران/يونيو، وفي إطار محاولة تقريب السلطة الموقتة من الاقتصادات الكبرى، فيما حضرت سوريا وأوكرانيا في أجزاء من النقاش بوصف استقرارهما جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي والدولي.

 

انفتاح غربي تدريجي... لكن بشروط

 

وبالتوازي، رفع الاتحاد الأوروبي طبقة جديدة من القيود عن مؤسسات الدولة السورية، فشطب سبعة كيانات من قائمة العقوبات، بينها وزارتا الدفاع والداخلية، مع تمديد العقوبات على الأفراد والكيانات المرتبطة بالنظام السابق حتى حزيران/يونيو 2027. وسبقت ذلك موافقة وزراء خارجية الاتحاد على إعادة تفعيل اتفاق التعاون مع سوريا ورفع قيود عن واردات تشمل النفط والذهب والمعادن الثمينة.

وبدا المسار الغربي متدرجاً. فتح قنوات مع مؤسسات الدولة الجديدة، مع إبقاء الضغط على شبكات الحقبة السابقة، ثم اختبار قدرة دمشق على تحويل الانفتاح إلى بنية حكم قابلة للاستمرار اقتصادياً ومصرفياً.

وعلى الخط الأميركي، منح المبعوث توم براك هذا المسار عنوانه السياسي. فلقاؤه مع الرئيس أحمد الشرع في دمشق حمل بند "تعزيز التعاون الاقتصادي"، بحسب "سانا"، قبل أن يربط براك التقدم السوري بلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والشرع في السعودية، وبمسار تخفيف العقوبات، وبـ"اصطفاف إقليمي جديد". وهنا يتحول الاقتصاد إلى أداة لإعادة إدخال سوريا في خرائط الإقليم كمساحة استقرار وعبور واحتواء مخاطر.

لكن هذا الرهان يبقى مرتبطاً بقدرة دمشق على تحقيق تعافٍ داخلي فعلي، لا الاكتفاء باختراقات سياسية خارجية.

وفي الداخل، ظهرت المؤسسة النقدية كواحدة من أبرز حلقات الاختبار. فتعيين محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي لا يبدو مجرد تبديل إداري، بل التغيير الثالث في رأس المؤسسة منذ سقوط النظام. كما أن نقل عبد القادر الحصرية إلى كندا سفيراً، من دون توضيح سياسي أو اقتصادي لخروجه من المنصب النقدي، أعاد طرح أسئلة حيال استقرار القرار المالي وقدرة المؤسسات النقدية على بناء الثقة المطلوبة خارجياً.

 

هل تنعكس كلفة استعادة الثقة الدولية على حياة السوريين اليومية؟ (رويترز)

 

هل يدفع السوريون كلفة التعافي؟

 

لكن السوق بدوره وضع هذا المسار أمام اختبار سريع. ففي الأيام الأخيرة، ارتفع سعر الدولار إلى نحو 13400 ليرة سورية، مقترباً من مستويات تعيد التذكير بمرحلة ما قبل تخفيف العقوبات. ووسط الجدل بشأن سياسة حبس السيولة بوصفها علاجاً محدود الفاعلية، بدا واضحاً أن رفع العقوبات وحده لا يكفي لإطلاق تعافٍ نقدي، وأن الليرة ما زالت تدور داخل دائرة الهشاشة نفسها.

وترافقت هذه الهشاشة مع قرارات زادت الضغط على الحياة اليومية. فتخفيض وزن ربطة الخبز بدل رفع سعرها نقل الزيادة من خانة الرقم المعلن إلى خانة الكمية، فيما وسّع رفع أسعار الغاز والبنزين والمازوت دائرة الضغط من البيوت إلى النقل والزراعة والأسواق. أما الكهرباء، فتحولت من خدمة شحيحة إلى خدمة أكثر كلفة، مع فواتير لا تقابلها قدرة دفع واسعة.

ولا تبدو هذه الإجراءات تفاصيل منفصلة، بل ملامح لإعادة ترتيب الدعم وكلفة الدولة في سياق العودة إلى قنوات التمويل الخارجي، بما يحمله ذلك من ضغوط اجتماعية ومعيشية متزايدة.

وظهر الاختبار بأوضح صوره في ملف القمح. فالسعر الأول، 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، أثار اعتراض المزارعين، قبل أن ترفعه دمشق إلى 55 ألفاً. امتصت الزيادة جزءاً من الاعتراض، لكنها لم تحل المعضلة الأساسية: كيف تشتري الدولة المحصول بسعر لا يكسر الفلاح، وتحافظ في الوقت نفسه على كلفة رغيف تستطيع الخزينة والمواطن احتمالها؟

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع إعلان برنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، ووقف برنامج دعم الخبز الذي كان يخدم حتى أربعة ملايين شخص يومياً، فيما يعاني 7.2 ملايين سوري انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وعند هذه النقطة، لا تعود قرارات الخبز والقمح والمحروقات والكهرباء ملفات منفصلة، إنما مؤشرات إلى مرحلة جديدة تحاول فيها دمشق التكيف مع شروط الانفتاح المالي الخارجي، وسط اقتصاد منهك ومجتمع يواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.

وهنا يصبح السؤال أبعد من مشاركة وزير في اجتماع مغلق أو تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي: هل تملك دمشق مؤسسات قادرة على مواكبة شروط الخارج، واقتصاداً قادراً على امتصاصها؟ أم أن كلفة استعادة الثقة الدولية ستنعكس مباشرة على حياة السوريين اليومية؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية