سوريا بحاجة إلى إنجازات داخلية لتحصين إنجازاتها الخارجية
تمكنت القيادة الانتقالية في سوريا، خلال الأيام الماضية، من تحقيق نقلات إيجابية عدة في مكانتها، وشرعيتها الدولية والإقليمية، كانت بأمس الحاجة إليها لتعزيز استقراها وتعميق الثقة بها داخلياً وخارجياً.
ولعل أهم تلك النقلات تمثلت، أولاً، بإنشاء "لجنة عليا لبنانية–سورية مشتركة" (2/7/2026)، في زيارة قام بها إلى بيروت، لهذا الغرض، وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني، وقد وقع فيها، أيضاً، مع نواف سلام رئيس الحكومة اللبنانية، على مذكرات تفاهم واتفاقات بين البلدين في المجالات السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والمالية والقضائية والأمنية، على قاعدة "احترام سيادة لبنان وسوريا واستقلالهما، والمساواة الكاملة بين الدولتين".
ويمكن عدّ هذه الخطوة بمثابة تحوّل، وانفتاح تاريخي ونوعي في علاقة البلدين المتجاورين، خصوصاً أن لبنان خضع لهيمنةٍ سورية، إبان نظام الأسد، لثلاثة عقود (1976 ـ 2005)، ثم خضع لهيمنةٍ إيرانية، عبر "حزب الله"، لعقدين (2005ـ 2025).
ثانياً، قيام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة رسمية إلى سوريا (7/7/2026)، مع وفد كبير من رجال الأعمال ومديري شركات صناعية، في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس الشرع السلطة بعد انهيار نظام الأسد أواخر عام 2024.
وتنبع أهمية هذه الزيارة من أنها تناولت، إلى جانب القضايا السياسية، التعاون الاقتصادي، ودعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها، مع حرص الجانب الفرنسي على تأكيد موقفه من العدالة الانتقالية، وبناء مؤسسات الدولة على أساس القانون والدستور، وضمان حقوق الأقليات.
بيد أن ما لفت في هذه الزيارة مدى الحفاوة التي بدت في لقاءات الرئيسين الفرنسي والسوري، والتي تجلت في الجولات التي مشيا فيها في العاصمة دمشق، على رغم الأجواء السلبية التي نجمت عن أعمال إرهابية.
ثالثاً، دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع الى المشاركة في اجتماع قمة "حلف شمال الأطلسي (ناتو)"، المنعقدة في أنقرة (8/7/2026)، وهي خطوة لافتة، تشير إلى تعزيز مكانة سوريا على الصعيدين الإقليمي والدولي، والثقة التي تحاول الدول الغربية منحها للقيادة السورية، في مجمل الهندسة الإقليمية السياسية والأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط، بما فيه تموضعها في إطار التغيرات في شبكة النقل والإمداد العالمية، كمرتكز استراتيجي، وكعقدة في الشرق الأوسط، بين الشرق والغرب، بخاصة بعد أزمة مضيق هرمز.
رابعاً، ربما أن أهم ما حصل في تلك النقلات هو اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ظل يؤكد دعمه استقرار سوريا، وإعلانه رفع اسمها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهي خطوة في غاية الأهمية بالنسبة لسوريا، سياسياً واقتصادياً.
وفي ذلك اللقاء لم يخف الرئيس ترامب، كالعادة، إعجابه بالرئيس الشرع، وثقته به. بيد أن الأمر لم يقتصر على ذلك إذ إن الرئيس السوري التقى في أنقرة، أيضاً، وفداً من أعضاء الكونغرس الأميركي، والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك، وهي لقاءات ذات طابع سياسي واقتصادي وأمني أيضاً، خصوصاً أن براك هو المهندس الأبرز، في إدارة ترامب، للسياسات الأميركية في سوريا ولبنان والعراق عدا كونه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا.
يستنتج من ذلك أن سوريا باتت في مكانة راسخة على الصعيد الدولي، الإقليمي، والعربي، خصوصاً إزاء دول الخليج العربي، ولبنان والأردن، بيد أن هذه المكانة لا تغطي حاجة سوريا للاستقرار الداخلي، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، من دون أن نغفل حاجتها الى صدّ التحدي الذي تمثله لها السياسات الإسرائيلية في المنطقة، وإزاء سوريا ذاتها، أو تجاوزه.
ما يفترض أن تدركه القيادة السورية، أن سوريا، مع كل الإنجازات، والنجاحات الخارجية، بحاجة، أيضاً، إلى تعزيز تحول السلطة فيها إلى دولة وتمكينها، بمعنى الكلمة، أي دولة مؤسسات وقانون، من دون تأخير، أو مبرر لأي سبب كان، ما يفترض منها توضيح ذاتها في هذا الاتجاه، إزاء شعبها أولاً، قبل أي أحد آخر.
وما تحتاجه سوريا الدولة، أيضاً، هو ضمان صيرورة السوريين شعباً، بمعنى الكلمة، وليس مكونات، أو أقليات، طائفية أو إثنية أو عشائرية، إذ إن وحدة سوريا، دولةً وسيادة، لا تتأتى فقط من وحدة الأرض/الجغرافيا، وإنما تتأتى من وحدة مواطنيها، وإدراكهم لذاتهم كشعب يتألف من مواطنين أفراد وأحرار ومستقلين ومتساوين، فهذا أكبر سلاح في يد سوريا، وهو الذي يحصنها إزاء التحديات الخارجية، ومن ضمنها التحدي الإسرائيلي.