"سوبر ماريو"... بطل لا يكبر ويتصدّر بـ750 مليون دولار
يكفي ظهور قبّعة حمراء وقفزة سريعة وصوت قطعة نقدية كي نعود في لحظة واحدة إلى الثمانينيات. ليس تذكّراً بالمعنى التقليدي، بل استجابة فورية، شبه غريزية. "سوبر ماريو" (Super Mario) شخصية من الماضي تعبر الأجيال من دون أن تتبدّل جوهرياً، ويشهد لها نجاح فيلم "سوبر ماريو غالاكسي" (The Super Mario Galaxy Movie).
فيلم "سوبر ماريو" يُعيد البطل المحبوب
اليوم، ومع الزخم الذي يحيط بـ"سوبر ماريو غالاكسي" واقترابه من أرقام ضخمة في شباك التذاكر العالمي (أكثر من 750 مليون دولار)، يعود هذا السؤال إلى الواجهة: كيف لشخصية وُلدت في ثمانينيات القرن الماضي أن تبدو، حتى الآن، معاصرة بالكامل؟
على خلاف أبطال العصر الحديث، لا يحمل ماريو تعقيداً نفسياً، ولا سيرةً درامية تتراكم عبر الزمن. لا يتغيّر، لا يتقدّم في السن، ولا يُعاد تعريفه مع كلّ جيل. هذه البساطة استراتيجية مدروسة، تضمن "عصريّة" الشخصية المحبوبة.

من الأبطال الخارقين المأزومين إلى الشخصيات الغارقة في الصراعات الداخلية، باتت شخصيات السينما أكثر ظلمة، وأكثر حملاً لثقل العالم. في المقابل، يظلّ ماريو في مكانٍ آخر احتفظ به لنفسه؛ خفيف، ومتاح للجميع، وبطريقة ما، بطل بلا زمن.
الحنين... مُنتَج لجمهور واسع
غالباً ما يُختصر نجاح ماريو بكلمة "الحنين". لكن هذا التوصيف، على بساطته، يُخفي ما هو أعمق. فالحنين هنا ليس عودةً إلى الماضي بقدر ما هو إعادة إنتاج مستمرّة له. صحيح أنّ شركة "نينتندو" (Nintendo) حافظت على الشخصية وجنّبتها الاستسلام لعوامل الزمن وتبدّل الاهتمامات؛ ولكنّها أيضاً أعادت تقديم "ماريو" باستمرار عبر منصّات مختلفة، من أجهزة الألعاب إلى الهواتف، وصولاً إلى السينما.
وهكذا، يصبح ماريو نقطة التقاء بين تجربتين: جيلٌ يستعيد ذاكرته وجيلٌ جديد يكتشفه كما لو أنّه وُلد للتوّ... النتيجة؟ أكثر من نوستالجيا تقليدية؛ نوستالجيا مُدارة بعناية.

تحوّل "ماريو" مع الوقت إلى ما هو أبعد من البطل الذي يقفز بين العثرات ويحبس الأنفاس. تحوّل إلى لغة بصرية ونظام لعب ورمز عالمي للمتعة البسيطة. ذلك أنّه لا يقدّم قصصاً معقّدة، ولا يسعى إلى إثقال التجربة بالمعنى، وإنّما يوفّر المتعة الفورية والواضحة.
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
قد يكون سرّ استمرارية ماريو أنّه يتلاءم، بشكلٍ لافت، مع إيقاع الحاضر. في زمن السرعة، تتقلّص فترات الانتباه وتُفضَّل التجارب المباشرة؛ غير أنّ "ماريو" يُقدّم للجمهور الوضوح والإيقاع السريع والتجربة المميّزة التي لا يُعرقلها شيء. وهذا ما يبحث عنه الجمهور.
لا يحتاج عالم "سوبر ماريو" إلى شرح، ولا إلى تمهيد طويل، وهو ما يُعدّ اليوم امتيازاً نادراً. وربما لا تكمن قوة "ماريو" في أنّه يذكّر جيل كامل بطفولته ويرفض مغادرتها. فبين أرقام شباك التذاكر المرتفعة، والعودة المتكرّرة إلى الشخصية عبر وسائط مختلفة، يتبيّن أنّ المسألة تتعلّق بنموذج ثقافي مستمر، يُعزّزه النجاح التجاري.
قلّةٌ من الشخصيات الثقافية استطاعت الحفاظ على حضورٍ عالمي حقيقي على امتداد أربعة عقود كما فعل "ماريو" الذي انتقل بسلاسة من ثقافة "ألعاب الأركيد" المبكرة إلى أجهزة الألعاب المنزلية، ومنها إلى منظومة عابرة للوسائط متكاملة بالكامل. بالنسبة إلى جيل الألفية، هو ذاكرة تأسيسية؛ ولدى الجيل "زد"، رفيق مألوف؛ أما جيل "ألفا"، فيلتقي به كما لو كان جديداً، لكنّه في الوقت نفسه منغرس سلفاً في الثقافة.
تلتقي هذه الاستمرارية اليوم مع حضورٍ متجدّد يدفعه إلى الواجهة فيلم "سوبر ماريو غالاكسي"، الذي أعاد إدراج "ماريو" في قلب الثقافة الشعبية العالمية، وأعاد تنشيطه على نطاق واسع، متماهياً مع أنماط استهلاك الوسائط المعاصرة وسلوكيات البحث.

يذكر أنّه في المركز الثاني في شباك التذاكر هذا الأسبوع في أميركا الشمالية، حافظ فيلم مغامرات فضائية آخر على موقعه، هو النجاح الكبير لشركة "أمازون إم جي إم ستوديوز" بعنوان "مشروع هيل ماري" (Project Hail Mary)، الذي حقق 20.4 مليون دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة وكندا.
الفيلم، الذي يقوم ببطولته رايان غوسلينغ في دور معلّم يتحول إلى رائد فضاء يستيقظ على متن مركبة فضائية في مهمة لإنقاذ الأرض من شمس آخذة في الخفوت، حصد أكثر من 570 مليون دولار عالمياً، كما تم تمديد فترة عرضه في دور السينما.