سهرة في بيت شاعر
دعوةٌ غاليةٌ، السبتَ الماضي، حمَلَتْني إِلى دير القمر، عاصمتِنا التُراثيةِ الْـيَضُوعُ منها عبَقٌ من مجد لبنان..
بعد المناسبةِ موضوعِ الدعوة، كان لا بُدَّ من جلْسَة سمَرٍ في واحة الأُمراء، ننادمُ فيها قمَر دير القمَر.. وإِذا في الطريق لافتةٌ تنادينا إِليها: "دير الأُمراء - فندُق ومطعم"، فَـ"تَدَيَّرْناها".. وإِذا نحن أَمام هَيْبةٍ قَصْريةٍ كأَنها صدًى من قصر بيت الدين.. دخلْنا إِلى الباحة، تُزَنِّرها فوقَنا قناطرُ وأَبوابٌ في صمتها حَكَايا من ذكريات وجمال..
سمعَتْني صبيَّةٌ أَقول:"شو حلُو هالمكان"، فتقدَّمَتْ منا: "أَهلًا بكُما...أَنتُما هنا في قصر الشاعر بطرس كرامة"..
وانفتحَت في بالي صفحةٌ من تاريخ "أَبو سعدى" كما رواها أُستاذُنا فؤَاد افرام البستاني: احتاجَ الشهابيُّ الثاني مَن يُدَرِّس العربيةَ ولَدَيه خليل وأَمين.. سمعَ عن الشاعر السوري بطرس كرامة، متمكِّنًا بالتركية وشاعرًا بالعربية ومترجمًا متمرِّسًا، فأَرسل سنة 1810 يطلبه إِلى قصره في بيت الدين.. وإِذ لاحظ الأَميرُ نباهةَ ضيفه وذكاءَه وكفاءَاته، اصطفاه "الكَتَخْدَا" (نائبه) وكرَّسَه "شاعرَ البلاط" و"معتَمَدَ الأَمير" إِلى عكَّا ومهامَّ أُخرى، حتى إِذا نُفِي الأَمير إِلى مالطة فالآستانة سنة 1840، اصطحَب معه شاعرَه.. وحين تُوُفي الشهابي سنة 1850، رثاه شاعرُهُ ورفيقُ أَيامه:
هو البشيرُ الشهابيُّ انقضى أَجَلًا فأَظلَمَتْ بعدَهُ العلياءُ أَقمارا
يا لَوعتي كيف صارَ اللحدُ منزلَهُ وكان لا يرتضي متْنَ السُهى دارا
والحُكْمُ أَصبحَ لَمَّا غاب كوكبُه يبكي بلبنانَ أَطلالًا وآثارا