سنابل احترقت وأحلام تبخرت

لم تكن الحرائق التي التهمت في الأيام الأخيرة مئات الهكتارات من حقول القمح والشعير في بعض جهات المغرب مجرد حادث عابر في موسم الحصاد، بل كانت ضربة موجعة لآلاف الأسر القروية التي وضعت كل آمالها في هذا الموسم بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف والإجهاد المائي. لقد تابع المغاربة، بحزن وألم، مشاهد ألسنة اللهب وهي تلتهم سنابل كانت على بعد أيام قليلة من الحصاد. سنابل لم تكن مجرد نباتات في الحقول، بل كانت تمثل مصدر دخل عائلات بأكملها، ووسيلة لسداد الديون، وتوفير قوت السنة، وتأمين الحد الأدنى من الكرامة للفلاح الذي ظل صامداً رغم قسوة الظروف المناخية والاقتصادية.

لقد عانى الفلاح المغربي خلال السنوات الأخيرة من سلسلة متواصلة من الأزمات. فالجفاف استنزف موارده، وارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والمحروقات رفع تكاليف الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة، بينما ظلت هوامش الربح محدودة وهشة. وعندما بدأت مؤشرات الموسم الفلاحي الحالي تبعث شيئاً من الأمل، جاءت الحرائق لتقضي على أحلام كثيرين في لحظات معدودة.

إن الدولة مطالبة اليوم بالتحرك السريع، ليس فقط لفتح تحقيقات دقيقة لكشف أسباب هذه الحرائق وتحديد المسؤوليات، بل أيضاً لإطلاق برنامج استعجالي لدعم الفلاحين المتضررين. فالفلاح الذي فقد محصول سنة كاملة لا يمكن أن يُترك وحيداً يواجه الخسارة والإفلاس.

إن التعويضات العادلة لم تعد خياراً سياسياً أو إجراءً إدارياً عادياً، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واجتماعية. فخسارة الفلاح ليست خسارة فردية، بل خسارة تمس الأمن الغذائي الوطني وتؤثر على استقرار العالم القروي بأكمله. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحصاء دقيق للخسائر، وصرف تعويضات عاجلة، وتأجيل الديون المستحقة على المتضررين، وتوفير البذور والدعم التقني والمالي لضمان استئناف النشاط الفلاحي في الموسم المقبل.

وفي خضم هذه المأساة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي روايات وإشاعات متضاربة حول الأسباب الحقيقية للحرائق، ووصل الأمر إلى حد الحديث عن احتمال وجود فعل متعمد وراء بعضها. وسواء كانت هذه الفرضيات صحيحة أم مجرد تكهنات، فإن ترك المجال مفتوحاً أمام الإشاعات لا يخدم أحداً، بل يزيد من القلق ويغذي فقدان الثقة. ولذلك فإن من واجب الجهات المختصة إجراء تحقيقات معمقة وشفافة لكشف الأسباب الحقيقية لهذه الحرائق وإطلاع الرأي العام على نتائجها. فالحقيقة وحدها هي الكفيلة بإغلاق باب الشائعات.

أما إذا ثبت أن بعض هذه الحرائق كانت بالفعل من فعل فاعل، فإن الأمر يتجاوز مجرد تخريب ممتلكات خاصة ليصبح اعتداءً مباشراً على مصدر رزق آلاف الأسر وعلى جزء من الأمن الغذائي الوطني. وفي هذه الحالة يجب تطبيق القانون بكل صرامة، والضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه، لأن التساهل مع مثل هذه الأفعال يبعث برسائل خاطئة ويشجع على تكرارها.

غير أن البحث عن الأسباب ومحاسبة المسؤولين لا ينبغي أن يحجب سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل نحن مستعدون بما يكفي لمواجهة مثل هذه الكوارث؟ فمع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف، أصبحت حرائق الحقول الزراعية خطراً متوقعاً أكثر من أي وقت مضى، خاصة خلال موسم الحصاد حيث تكون آلاف الهكتارات من المحاصيل الجافة عرضة للاشتعال السريع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية استباقية تقوم على الوقاية والتدخل المبكر. فالدولة مطالبة بتوفير الموارد البشرية والآليات الضرورية بالقرب من الأحواض الفلاحية الكبرى، خصوصاً خلال موسم الحصاد. كما ينبغي إنشاء مراكز يقظة موسمية وتعزيز فرق التدخل السريع وتجهيزها بالمعدات الكافية للوصول إلى بؤر الحرائق في دقائق معدودة قبل أن تتحول إلى كوارث واسعة النطاق.

لقد أظهرت هذه الحرائق أن دقائق قليلة قد تكون كافية لتحويل محصول سنة كاملة إلى رماد. لذلك فإن الاستثمار في الوقاية والتجهيزات ووسائل التدخل السريع ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة لحماية الأمن الغذائي الوطني وحماية الفلاح المغربي الذي يواجه منذ سنوات متتالية الجفاف وتقلبات المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج.

غير أن مسؤولية الحد من هذه الكوارث لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تتطلب أيضاً انخراط الفلاحين والمهنيين في تبني ثقافة الوقاية وإدارة المخاطر. فالكثير من الحرائق يمكن تفاديها بإجراءات بسيطة، ولكنها فعالة. ومن الضروري منع التدخين داخل الحقول أو بالقرب منها خلال موسم الحصاد، ومنع إشعال النيران لأغراض الطبخ أو حرق المخلفات الزراعية، خاصة في فترات ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح.

كما ينبغي الحرص على الصيانة الدورية للجرارات وآلات الحصاد والمعدات الفلاحية المختلفة، والتأكد من سلامة أنظمتها الميكانيكية والكهربائية. وقد أشارت بعض المصادر الإعلامية إلى أن عطلاً تقنياً في إحدى آلات الحصاد قد يكون وراء أحد الحرائق التي شهدتها جهة آسفي. وسواء تأكدت هذه الرواية أم لا، فإنها تذكرنا بأن شرارة صغيرة أو قطعة ميكانيكية معطوبة قد تكون كافية لإشعال حريق يدمر مئات الهكتارات في ظرف وجيز.

ومن جهة أخرى، فإن ما وقع يطرح بقوة ملف التأمين الفلاحي ضد الحرائق والكوارث الطبيعية. فالفلاح الذي قد يفقد في ساعات قليلة محصول سنة كاملة لا يمكن أن يبقى رهينة الحظ أو الظروف المناخية. لقد أصبح توسيع نطاق التأمين الفلاحي وتبسيط شروط الاستفادة منه وتشجيع الفلاحين على الانخراط فيه ضرورة وطنية ملحة. فالدول التي تحرص على حماية أمنها الغذائي لا تترك المنتجين الزراعيين وحدهم في مواجهة المخاطر، بل توفر لهم آليات تسمح بالتعويض السريع واستئناف النشاط بعد الكوارث.

إن بناء منظومة فعالة لمواجهة حرائق الحقول لا يقتصر على إرسال شاحنات الإطفاء بعد اندلاع النيران، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: بالوقاية، والتوعية، والصيانة، والتأمين، والتخطيط المسبق، واليقظة الدائمة خلال فترات الخطر. فكل درهم يُستثمر في الوقاية قد يوفر على البلاد خسائر بملايين الدراهم، ويحمي أرزاق آلاف الأسر القروية.

إن المغرب الذي يراهن على تحديث فلاحته وتحقيق سيادته الغذائية لا يمكنه أن يترك الفلاح وحيداً في مواجهة الجفاف والنيران وتقلبات الطبيعة. فالاستثمار الحقيقي في القطاع الفلاحي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد السدود أو المساحات المسقية، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية من يزرعون الأرض ويؤمنون غذاء الأمة.

حين تحترق سنابل دكالة وعبدة والشاوية وسهول الغرب، لا يحترق القمح وحده، بل يحترق جزء من أمل الفلاح المغربي. ومن واجب الدولة والمجتمع أن يثبتا له أن جهده وتضحياته لم تذهب سدى، وأن الوطن لا ينسى أبناءه عندما تحل بهم المحن، بل يقف إلى جانبهم، ينصفهم، ويعوضهم، ويحميهم من تكرار المأساة.

The post سنابل احترقت وأحلام تبخرت appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress