سلاحف وأيل بربري وزواحف وطيور أكلتها النيران

تعتبر حرائق الغابات من بين أفظع المآسي، فهي تقتل الأحياء جميعا من إنسان ونبات وحيوان، وتطال سبب الحياة الأول وهو الأوكسيجين.
وللأسف لم تكن حرائق هذا الصيف، التي اجتاحت عدداً من ولايات الوطن، مجرد مشاهد لألسنة لهب تلتهم الأشجار، أو أرقاما تُسجل في حصيلة المساحات المحترقة، لقد كانت كارثة بيئية وإنسانية بكل أبعادها، كشفت من جهة عن بسالة رجال الحماية المدنية، وأعوان الغابات، وأفراد الجيش الوطني الشعبي، وكل المتطوعين الذين خاضوا معركة شرسة لإنقاذ الأرواح والممتلكات والثروة الغابية، لكنها في المقابل كشفت عن مآسٍ أخرى لا تتصدر العناوين… مآسي الإنسان والحيوان والطبيعة معاً.
في غابة الدولة بوادي أخريص بخنشلة، لم يكن الفجر الذي أعقب الحريق شبيهاً بأي صباح آخر، اختفت زقزقة الطيور التي اعتادها السكان، وحل محلها عواء متقطع لحيوانات أصابها الحريق أو فقدت صغارها وسط ألسنة اللهب.
يروي أحد سكان المنطقة قائلاً، ما حزّ في قلبي لم يكن منظر الأشجار المتفحمة، ولا الخضرة التي تحولت إلى سواد داكن، بل عواء الحيوانات مع بزوغ الفجر… كان صوتاً يشبه البكاء أو النحيب،، شهادة تختزل وجهاً آخر لهذه الكارثة. فالحرائق لا تحرق الأشجار فقط، بل تدمر منظومة بيئية كاملة بُنيت عبر عشرات السنين. أعشاش تحولت إلى رماد، وصغار طيور لم تتمكن من مغادرتها، وأرانب برية، وقنافذ، وسلاحف، وزواحف، وحشرات نافعة، كلها وجدت نفسها في مواجهة نار لا تفرق بين شجرة وكائن حي.
ولم تقتصر الخسائر على غابة وادي أخريص، بل تكررت المشاهد المؤلمة في ولايات أخرى، بل في كل الولايات التي كانت تبهرنا دائما بغاباتها وهوائها النقي.
ففي حريق غابة السقالة بولاية خنشلة، عُثر على عدد من الحيوانات النافقة والمتفحمة، من بينها سلحفاة برية وطائر اللقلق الأبيض، في صور مؤثرة عكست حجم الكارثة البيئية التي خلفتها النيران، لم تكن تلك المشاهد مجرد صور لحيوانات نفقت وسط الحرائق، بل كانت دليلاً على أن ألسنة اللهب لا تلتهم الغطاء النباتي فحسب، وإنما تقضي أيضاً على مواطن عيش آلاف الكائنات الحية، وتحرمها من أبسط فرص النجاة، وإذا كانت الحياة البرية قد دفعت ثمناً باهظاً، فإن سكان المناطق الريفية كانوا هم الآخرين في مواجهة خسائر قاسية. فقد التهمت النيران رؤوساً من الأبقار والأغنام والماعز، ونفقت أعداد من الدواجن داخل الإسطبلات والحظائر التي حاصرتها ألسنة اللهب، لتتحول سنوات من الكد والعمل إلى رماد في لحظات، ورغم قسوة المشهد، اختصر المتضررون حجم الفاجعة بكلمات حملت كثيراً من الصبر والإيمان، وهم يقفون وسط آثار الحرائق، راضين بقضاء الله وقدره، كلمات قليلة، لكنها كانت أبلغ من أي وصف، لأنها عبّرت عن حجم الخسارة التي مست مصدر رزق عائلات بأكملها، من دون أن تنال من إيمانهم أو صبرهم.
وشوهدت مساء الجمعة بعض الثعالب وحيوان ابن آوى على الطريق الوطني رقم 5، الفاصل ما بين قسنطينة وعين السمارة، بذات الولاية، كان واضحا أنها هاربة من جحيم النيران التي طالت غابة شطابة، واحدة من أهم غابات ولاية قسنطينة بأدغالها الكثيفة.
وبين مشاهد الخسارة والحزن، برزت أيضاً مواقف إنسانية أعادت شيئاً من الأمل وسط الرماد، ففي ولاية سكيكدة، لامست قصة سيدة جزائرية مسنة مشاعر الجزائريين، فقد اضطرتها النيران التي اجتاحت المنطقة التي تقطن بها إلى الفرار حفاظاً على حياتها، تاركة منزلها وكل ما تملك تحت رحمة ألسنة اللهب. وعندما عادت بعد انحسار الخطر، لم تكن تعلم ماذا بقي لها من ذكريات أو ممتلكات، لكن المفاجأة التي انتظرتها كانت بالنسبة إليها أثمن من كل شيء؛ إذ وجدت دجاجها الذي اعتقدت أنه احترق قد نجا من الحريق. وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة، وغلبت عليها مشاعر الفرح والامتنان رغم الإرهاق الذي بدا واضحاً على ملامحها، حيث اختزل المشهد معنى القناعة والرضا، وأثبت أن قيمة الأشياء لا تقاس بثمنها، بل بما تمثله في حياة أصحابها.
وبين من وقف أمام مواشيه النافقة مردداً راضين بقضاء الله وقدره، وبين عجوز سكيكدة، التي غمرتها السعادة لنجاة دجاجها، كتبت الحرائق قصصاً إنسانية مؤثرة، أظهرت صلابة الإنسان الجزائري، وقدرته على تحويل الألم إلى صبر، والخسارة إلى أمل، حتى وسط ركام الحرائق.
في جبل ماونة بقالمة أمضى خبراء وعشاق البيئة سنوات، لإعادة حيوان الأيل البربري إلى موطنه وتحققت نتائج وصفت بالباهرة، فالحيوان الذي انقرض تماما من غابات ولاية الطارف، عاد إلى الظهور، لكن الحرائق بخرت الأمل.
خسائر لا تُقاس بعدد الهكتارات المحترقة
إن صور السلحفاة المتفحمة واللقلق الأبيض النافق، إلى جانب شهادات سكان وادي أخريص عن عواء الحيوانات، وموقف عجوز سكيكدة، ورماد قالمة، ومشهد الفلاحين وهم يتفقدون مواشيهم النافقة، ترسم لوحة حزينة لحريق لا يميز بين الإنسان والحيوان والنبات. إنها خسائر لا تُقاس بعدد الهكتارات المحترقة فقط، بل بما تخلفه من جراح نفسية، وخسائر اقتصادية، واختلال في التوازن البيئي قد يحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد الغابات عافيتها.
ورغم أن الأنظار اتجهت، بحق، إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها مختلف أجهزة الدولة لإخماد الحرائق والحد من انتشارها، فإن الطبيعة والإنسان دفعا ثمناً باهظاً لا تظهر تفاصيله كاملة في الإحصائيات الرسمية. فكل شجرة احترقت كانت مأوى لكائن حي، وكل رأس ماشية نفق كان مصدر رزق لأسرة، وكل عش تحول إلى رماد كان يعني نهاية دورة حياة كاملة.
قد تنبت الأشجار من جديد، وقد يعود اللون الأخضر إلى سفوح الجبال مع مرور السنوات، لكن أصوات العواء التي دوّت في وادي أخريص، وصور الأيل المنقرض بالنار، وكلمات الفلاحين، راضين بقضاء الله وقدره، ستبقى شاهدة على أن حرائق الغابات لا تترك وراءها رماداً فقط، بل تترك حكايات مؤلمة عن الإنسان والطبيعة، وحياةً كاملة تتغير في لحظات.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post سلاحف وأيل بربري وزواحف وطيور أكلتها النيران appeared first on الشروق أونلاين.