سلاح الفصائل العراقية تحت الاختبار: جدية سياسية أم رسائل إعلامية؟
يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني العراقي مجدداً، بعد سلسلة من التصريحات والإعلانات التي تحدثت عن استعداد بعض الفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها أو إعادة تنظيم وضعها الأمني ضمن الأطر الرسمية، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها جزء من جهود ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي.
إلا أن هذه التطورات أثارت تساؤلات واسعة حول مدى جدية الإجراءات المعلنة، وما إذا كانت تمثل تحولاً حقيقياً في مسار العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، أم تندرج ضمن إطار الرسائل السياسية والإعلامية التي لا تنعكس بالضرورة على الواقع الميداني.
تباينات فصائلية
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل وجود مواقف متباينة داخل الفصائل نفسها؛ فبينما أعلنت جهات بارزة، بينها سرايا السلام بزعامة مقتدى الصدر وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، تأييدها خطوات تنظيم السلاح أو تسليمه ضمن ترتيبات الدولة، ما زالت فصائل أخرى، أبرزها كتائب حزب الله بزعامة أبو حسين الحميداوي وحركة النجباء بزعامة اكرم الكعبي وكتائب سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي، تتمسك بمواقف مختلفة تجاه هذا الملف، الأمر الذي يعكس استمرار الانقسام حول طبيعة ومستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
ويرى مراقبون أن اختبار الجدية لا يرتبط بالتصريحات وحدها، بل بمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، تشمل حصر مخازن السلاح، وإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار المؤسسات الأمنية، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة والقوانين النافذة. كما أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وإرادة حكومية قادرة على التعامل مع التعقيدات الأمنية والسياسية المرتبطة بهذا الملف الذي ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية في العراق.
لا تحول ملموس
يقول الخبير في الشؤون العسكرية اللواء أحمد الدليمي لـ"النهار" إن الحديث المتداول بشأن حصر السلاح بيد الدولة ما زال حتى الآن "يدور في إطار التصريحات والإعلانات السياسية والإعلامية أكثر مما يعكس تحولاً عملياً ملموساً على أرض الواقع، والمؤشرات الميدانية لا تزال غير كافية للحديث عن تقدم حقيقي في هذا الملف المعقد".

ويبين الدليمي أن أي تقييم جاد لنجاح مشروع حصر السلاح يجب أن يستند إلى إجراءات تنفيذية واضحة، مثل تفكيك البنى المسلحة الخارجة عن المؤسسات الرسمية، وحصر مخازن الأسلحة، وإخضاع جميع الجهات المسلحة لسلطة الدولة والقانون، "ومثل هذه الخطوات لم تظهر حتى الآن بالشكل الذي يسمح بالقول إن الملف دخل مرحلة الحسم الفعلي"، مضيفاً: "يتابع المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، إلى جانب الأطراف السياسية العراقية، هذا الملف عن كثب ويمتلكون مؤشرات ومعطيات خاصة بهم حول مدى التقدم المتحقق، والحكم على جدية أي خطوة لا يتم من خلال البيانات الإعلامية، بل من خلال الوقائع الميدانية والنتائج القابلة للقياس".
ويؤكد أن استمرار الجدل بشأن تسليم السلاح وتباين مواقف الفصائل المسلحة يعكس أن القضية ما زالت تواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة، وأن الوصول إلى مرحلة حصر السلاح بشكل كامل يتطلب إرادة سياسية موحدة وقرارات تنفيذية حازمة تتجاوز الطابع الإعلامي نحو التطبيق الفعلي، والرأي العام ينتظر إجراءات ملموسة تثبت أن الدولة أصبحت الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح واستخدام القوة وفق الدستور والقانون.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة مضيها بخطوات حصر السلاح بيد الدولة، يرى مختصون أن الحكم على نجاح هذه الجهود ما زال مبكراً، خصوصاً أن تجارب السنوات الماضية شهدت إعلانات ومبادرات مشابهة لم تفضِ إلى نتائج حاسمة. لذلك يبقى السؤال الأبرز: هل تمثل التحركات الحالية بداية مرحلة جديدة تتجه فيها القوى المسلحة نحو الانخراط الكامل ضمن مؤسسات الدولة، أم أنها مجرد إجراءات شكلية مرتبطة بظروف سياسية وإقليمية مؤقتة لن تؤدي إلى تغيير جوهري في معادلة السلاح والنفوذ داخل العراق؟
خطاب سياسي وإعلامي
من جهته، يقول السياسي العراقي مثال الألوسي لـ"النهار" إن ما يُطرح حالياً بشأن تسليم السلاح وحصره بيد الدولة "لا يزال أقرب إلى الخطاب السياسي والإعلامي منه إلى مشروع تنفيذي حقيقي، والمواطن العراقي لم يلمس حتى الآن أي تغيير جوهري على الأرض يمكن أن يدل على بدء معالجة فعلية لملف السلاح خارج إطار الدولة"، مؤكداً أن معيار النجاح لا يقاس بعدد التصريحات أو البيانات الصادرة، بل بقدرة الدولة على فرض سيادتها بشكل كامل وإنهاء جميع مظاهر السلاح غير الخاضع للمؤسسات الرسمية، واستمرار وجود قوى مسلحة ترفض التخلي عن سلاحها أو تحدد بنفسها شروط التعامل مع هذا الملف يثير تساؤلات جدية حول مدى إمكانية تطبيق ما يعلن عنه من خطط وإجراءات.
ويضيف الألوسي، وهو نائب سابق في البرلمان العراقي: "الدولة تواجه اليوم اختباراً يتعلق بهيبتها وقدرتها على احتكار القوة وفق الدستور، وأن استمرار الفجوة بين التصريحات والواقع قد يؤدي إلى مزيد من التشكيك بقدرة المؤسسات على تنفيذ تعهداتها"، متابعاً: "إذا كانت هناك إرادة حقيقية لحصر السلاح بيد الدولة، فإن ذلك يجب أن يشمل الجميع بلا استثناء وبمعايير موحدة، أما الحديث عن تسليم سلاح بعض الجهات مقابل بقاء سلاح جهات أخرى، فلن يقنع الأطراف الداخلية والخارجية، بل سيعزز الانطباع بأن ما يجري ما زال ضمن إطار الرسائل السياسية أكثر من كونه تحولاً استراتيجياً في بنية الدولة العراقية".