سقوط عرش الملالي... هل حانت لحظة الخلاص للمنطقة وإيران؟
في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تسقط الأنظمة بفعل القوة العسكرية فقط، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع شعوبها والعالم بأنها قادرة على الاستمرار.
واليوم، يبدو أن نظام الملالي الإيراني يقترب أكثر من أي وقت مضى من هذه اللحظة الفاصلة، بعد عقود من السياسات التي أدخلت المنطقة في دوامات من الحروب والانقسامات والفوضى.
لقد دفعت دول عربية كثيرة ثمن المشروع التوسعي الإيراني، سواء عبر دعم الميليشيات، أو تصدير الأزمات، أو تأجيج الصراعات الطائفية، حتى تحولت دول كانت تملك فرصاً كبيرة للنهوض إلى ساحات استنزاف مفتوحة. وفي المقابل، خسر الشعب الإيراني نفسه فرص التنمية والازدهار، بعدما وُجهت ثروات بلاده نحو الصراعات الخارجية بدلاً من الاستثمار في الإنسان الإيراني ومستقبل الأجيال القادمة.
ملامح ضعف
واليوم، تبدو ملامح الضعف واضحة على النظام الإيراني؛ فالاقتصاد منهك، والغضب الشعبي المتزايد بات واضحاً ومحسوساً، فيما تتزايد العزلة الدولية، وتتكشف اختراقات أمنية وعسكرية أظهرت هشاشة الصورة التي حاول النظام تصديرها لعقود. والأهم من ذلك أن سردية "الثورة" التي قام عليها النظام لم تعد تقنع كثيرين، حتى داخل إيران نفسها، بعدما شاهد الإيرانيون كيف تحولت بلادهم من دولة تمتلك إمكانات هائلة إلى دولة محاصرة بالأزمات والعقوبات والتوترات.
هذه اللحظة قد تكون فرصة تاريخية لا تتكرر. فالعالم بدأ يدرك أن استمرار هذا النظام لا يهدد المنطقة فحسب، بل يهدد الاستقرار الدولي وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي. كما أن وقوف الإدارة الأميركية الحالية في مواجهة سياسات طهران العدوانية يمثل متغيراً استراتيجياً قد لا يتكرر بالزخم نفسه مستقبلاً.
لكن أي تحرك ناجح يجب ألا يكون مدفوعاً بالعاطفة وحدها، بل بالذكاء والدهاء الاستراتيجيين اللذين يقلّلان الخسائر ويحاصران النظام سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وأمنياً. فالمواجهات غير المحسوبة قد تدفع المنطقة إلى فوضى جديدة، بينما المطلوب هو بناء معادلة ضغط متكاملة تُضعف أدوات النظام وتحاصر نفوذه، دون الانزلاق إلى سيناريوات مكلفة للجميع.
ومن هنا، فإن الدول العربية التي ذاقت ويلات التدخلات الإيرانية مطالبة اليوم بتجاوز خلافاتها الثانوية والاجتماع على هدف حماية المنطقة ومستقبل شعوبها. المطلوب ليس حرباً عبثية، بل موقف عربي موحد يعيد رسم معادلة الردع، ويؤكد أن زمن العبث بأمن العرب قد انتهى.
الشعب الإيراني ليس عدواً
وفي الوقت نفسه، يجب التفريق بوضوح بين النظام والشعب الإيراني. فالشعب الإيراني ليس عدواً للعرب، بل هو أحد أكبر ضحايا هذا النظام. ملايين الإيرانيين يريدون حياة طبيعية، وفرص عمل، واستقراراً، وعلاقات متوازنة مع جيرانهم والعالم، بعيداً من شعارات الصدام الدائم.
التاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الكبرى لا تتكرر مرتين. والمنطقة اليوم أمام لحظة مفصلية: إما مواجهة مشروع الفوضى والتوسع بحزم ووعي ووحدة، وإما ترك الأزمات تتجدد لعقود أخرى. وبين هذين الخيارين، تدرك الشعوب أن ساعة الحسم قد تكون بدأت بالفعل.