سعيد عقل... الشعر أكبر من الجدل

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فاروق غانم خداج

في ذكرى ميلاده

هل الوطن قصيدة، أم أن القصيدة هي الوطن؟ ربما لا يوجد شاعر لبناني أثار هذا السؤال بقدر ما فعل سعيد عقل. فقد ظل اسمه لعقود مرتبطاً بجدالات سياسية وفكرية ولغوية لم تهدأ، حتى بدا أحياناً أن الضجيج الذي أحاط بشخصه حجب جانباً من إنجازه الشعري. لكن الزمن، في العادة، لا يحتفظ بالجدل وحده؛ بل يعيد اختبار النصوص نفسها، ويتركها تواجه القراء بعيداً عن انفعالات اللحظة.

من هنا، تبدو ذكرى ميلاد سعيد عقل مناسبة للعودة إلى الشعر لا إلى السجالات، وإلى القصيدة بوصفها عملاً جمالياً قبل أن تكون وثيقةً لموقف سياسي. فالشاعر، مهما اختلف الناس حول آرائه، يبقى في النهاية مسؤولاً أمام النص الذي كتبه، لأن القصيدة الجيدة تمتلك قدرة على تجاوز زمنها، بينما تبقى المواقف أسيرة سياقاتها التاريخية.

ليست قيمة سعيد عقل في أنه كتب عن لبنان فحسب، بل في أنه حاول أن يعيد خلقه داخل اللغة. فلبنان في شعره لا يظهر مجرد مساحة جغرافية، ولا مجموعة من الرموز الوطنية المألوفة، بل يتحول إلى صورة شعرية مثالية، يصوغها الخيال بقدر ما يصوغها الواقع.
يتجلى ذلك في قوله:
لي صخرةٌ علَّقتْ بالنجمِ أسكنُها
طارت بها الكتبُ قالت: تلك لبنانُ.

لا يبدأ الشاعر بوصف السهول أو الحدود، بل بصورة تكاد تكون أسطورية؛ صخرة معلقة بالنجم، ترتفع فوق الواقع حتى تغدو جزءاً من السماء. إنها ليست استعارة جمالية فحسب، بل إعلان مبكر عن طبيعة مشروعه؛ فلبنان عنده ليس مكاناً يُقاس بالخرائط، وإنما فكرة تتجاوز الجغرافيا. واللافت أن البيت الثاني يجعل الكتب نفسها شاهدة على هذا الوطن المتخيل، فالمعرفة، لا السياسة، هي التي تعلن هوية المكان. وهنا يتحول الوطن من مساحة مادية إلى صورة ثقافية، تعيش في الذاكرة قبل أن تعيش في الجغرافيا. وهذا السؤال المشروع: هل كان يصف لبنان كما هو أم كما تمناه؟ لا ينتقص من التجربة، بل يكشف طبيعة الشعر نفسه؛ فهو لا يلتزم بما هو قائم، وإنما يمنح الواقع فرصة لأن يرى صورته الممكنة.

ويمضي سعيد عقل خطوة أبعد في قصيدته «بلادي أنا»، حيث لا يعود الوطن مكاناً، بل فكرة أخلاقية وجمالية يُعاد بناؤها داخل اللغة، إذ يقول:
بلادي أنا ولبنانُ عهدُ
ليس أرزاً ولا جبالاً وماءْ
وطني الحبُّ ليس في الحبِّ حقدُ

تبدأ القصيدة بكلمة «عهد»، وهي ليست اختياراً عابراً؛ فالعهد لا يُرى كما تُرى الجبال، بل يُعاش بوصفه التزاماً. وهكذا يُنقل الوطن من حدود الجغرافيا إلى حدود الضمير. ثم تأتي الحركة الأهم في نفيه للأرز والجبال والمياه، والتي ليست رفضاً لها، بل تجاوزاً؛ فهي علامات بصرية يمكن لأي سائح أن يراها، أما الوطن الحقيقي في تصوره فلا يُختزل بالطبيعة، بل يقوم على منظومة من القيم: «وطني الحبُّ ليس في الحبِّ حقدُ». هنا يخرج النص من الوصف إلى البناء الفلسفي، حيث يصبح الحب أساس الهوية.
إنها صياغة مثالية، رسمت وطناً منسجماً مع نفسه في وقت كان الواقع اللبناني أكثر تعقيداً. لكن وظيفة الشعر ليست نسخاً فوتوغرافياً، بل خلق صور تتجاوز زمنها، ولهذا استمرت قصائده؛ لأنها ليست وثائق تاريخية، بل محاولة لإعادة خلق الوطن بالكلمات.

لكن كيف حقق هذا الارتقاء؟ لم يكن ذلك عبر المعاني المجردة وحدها، بل عبر آلة شعرية فائقة الدقة، منح فيها اللغة عناية استثنائية، معتبراً إياها مادة الإبداع لا وسيلة التعبير فقط. فالكلمة عنده تحمل نغمة وصورة وإيقاعاً في آن.

يظهر ذلك في «سائليني» التي غنتها فيروز:
سائليني يا شآمُ
سائلي الكرْمَ الغماما
لا يقدم الشاعر حقيقة جاهزة، بل يفتح باب الحوار بـ«سائليني»، وكأن الحقيقة لا تُمنح إلا بالسؤال. ثم يحوّل الغمام إلى كائن حي يُسأل ويشهد، فتصبح الطبيعة كلها شريكة في بناء المعنى. إنها ليست استعارة للزينة، بل جزء من رؤية شعرية تجعل العالم أكثر اتساعاً مما تسمح به اللغة اليومية.
ويبلغ هذا الحس الموسيقي ذروته في «غنيت مكة»:
غنيتُ مكةَ أهلَها الصيدا
والعيدُ يملأ أضلعي عيدا

فهو لا يصف مكة من الخارج، بل يجعل العيد يملأ الأضلع، أي القلب والوجدان، منتقلاً بالمكان من الخارج إلى التجربة الإنسانية الداخلية. وهذه القدرة على تحويل المكان إلى إحساس هي إحدى أبرز خصائص شعر سعيد عقل؛ فهو لا يكتب المكان كما يُرى، بل كما يُعاش.

وقد أشار عدد من النقاد إلى خصوصية الموسيقى اللفظية في شعر سعيد عقل، وإلى عنايته الاستثنائية بإيقاع الكلمة وصفائها، التي كانت تسعى دوماً إلى صفاء فني نابع من إيمان عميق بأن الكلمة ليست أداة، بل جوهر الشعر نفسه. ولهذا يظل شعره حاضراً حتى عند المخالفين له فكرياً، إذ يأخذهم إيقاعه ودقة صوره.

ومع هذا البناء المثالي، يظل السؤال النقدي مشروعاً. فالشاعر الذي منح لبنان هذا الحضور الأسطوري، هو نفسه من أثارت مواقفه حول اللغة والهوية نقاشاً كبيراً، وبقي اسمه في منطقة التوتر بين الإعجاب الفني والاختلاف الفكري.

لكن النقد الأدبي لا يقوم على إلغاء أحد الجانبين لحساب الآخر؛ فالشاعر ابن زمنه، غير أن العمل الشعري يمتلك قدرة على تجاوز ظروف ولادته، لأنه يفتح أسئلة تتجاوز تلك اللحظة. لكن هذا البناء المثالي يطرح سؤالاً: ماذا عن التعدد والصراعات التي تشكل الواقع خارج المثال الشعري؟ وهذا السؤال لا يهدم التجربة، بل يثريها؛ لأن الشعر الحقيقي ليس ما يقدم إجابات نهائية، بل ما يخلق مساحة للتأمل.

لقد عرف الشعر العربي الحديث شعراء كباراً جعلوا الوطن محور تجربتهم؛ فمحمود درويش جعله مرتبطاً بالذاكرة والمنفى، وبدر شاكر السياب جعله رمزاً للفقد والبعث، لكن سعيد عقل، في خصوصية تجربته، اختار طريقاً مختلفاً؛ إذ جعل الوطن مشروعاً جمالياً داخل اللغة وفق رؤيته الخاصة، وبنى من الكلمات صورة لبنان الذي يحلم به.

ومن هنا يمكن فهم عبارة «الشعر أكبر من الجدل». فهي لا تعني أن الشعر يلغي التاريخ، بل تعني أن النص الأدبي يملك مستوى آخر من الوجود. فالجدل يتحرك مع الأحداث، أما القصيدة فتظل مفتوحة على التأويل. وهذا هو سر بقاء سعيد عقل حاضراً بعد رحيله؛ فالشعر الذي ينجح في بناء عالمه الخاص لا ينتهي بانتهاء صاحبه، بل يبدأ مرحلة جديدة مع كل قارئ.

في ذكرى ميلاده، لا يعود سعيد عقل مجرد اسم اختلف حوله الناس، بل يصبح سؤالاً عن علاقة الشاعر بوطنه، وعن قدرة اللغة على أن تصنع مكاناً يتجاوز المكان. فربما يكون الوطن عند بعضهم أرضاً وحدوداً، لكنه عند سعيد عقل كان قصيدة. وربما تكون القصيدة، حين تبلغ أقصى طاقتها، وطناً آخر يسكنه الإنسان بالكلمات.

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية