سرحان يسجل "الهدف" في مرمى "الفيفا".. الكرة بين السلطة والجمال
يقرأ الشاعر سعد سرحان “الفيفا” بوصفها مؤسسة تجاوزت حدود التنظيم إلى مرتبة الإمبراطورية الكونية، ويعتبر “الهدف” جوهر الوجود الكروي وعلّة اندفاع البشر خلف المستديرة.
وهكذا بين سخريةٍ رفيعة وبلاغةٍ آسرة، يفتح سرحان أبوابا جديدة لفهم خبايا وأسرار “الدكتورة كرة القدم”، لا باعتبارها رياضةً وحسب، بل أيضا لأنها حضارة لها معجمها، وأساطيرها، وطقوسها، وأربابها.
(الفيفا)
لقد عاشت كرة القدم مرحلة ابتدائية طويلة جدًّا، لُعبت خلالها بما أتيح وكيفما اِتفق، تمامًا كما يحدث مع الأطفال وهم في الطريق إلى أو من المدرسة، حين يركلون الثمار الجافّة والعبوات الفارغة منتشين بنجاح أقدامهم الفتيّة. ومثلهم أيضًا اِجتازت المراحل اللّاحقة، فإذا وصلوا على الجامعة، وجدوا أنّها قد صارت بجامعة أين منها جامعاتهم.
كان بإمكان كرة القدم أن تمتح من الفخامة، فتتّخذ لنفسها قصرًا، أو من القوة، فتجعل لها أسطولًا، خصوصًا وأنّ الشّبه واضح بين الملاعب والسفن، مثلما كان لها أن تقبس من السماء إرضاءً لنجوم اللّعبة… سوى أنّها لم تفعل، فنور العلم دونه كلّ إشعاعٍ. لذلك، اِدّعت نفسها إلى الجامعة، فكانت الجامعة الدولية لكرة القدم.
انتساب اللّعبة إلى الجامعة، وهي تاريخيًّا معقل الأبحاث والدراسات ومختبرات التحليل، اِرتقى بالقدم إلى مصافّ الأدمغة، فإذا لها هي الأخرى عباقرتها، أولئك الذين غالبًا ما يميّزون أنفسهم بتسريحات الشَّعر.
انتحال صفة الجامعة كان باطلًا صُراحًا في حاجة إلى ما يضفي عليه بعض ملامح الحقّ، وليس أصدق من المعجم لفعل ذلك. هكذا، ستشيع في رحاب كرة القدم مفردات من قبيل العميد والمدرّج والرئيس واللّجان والاختبارات والتّحليل والقيدوم وسواها ممّا يتردّد في أرقى الصّروح العلمية.
وها هي الفيفا الآنْ
دونها جامعة الدول العربية
والأهرام
وسور الصين العظيم
والفاتيكانْ.
أمّا كرة القدم، ففي خدمتها كلّ علوم العصر، وبعض لاعبيها يغبطهم حتى عباقرة وادي السيليكون.
(الهدف)
يقينًا أنّ الهدف الأسمى من المباراة هو الهدف في المباراة. فهو الغاية التي تبرّر كلّ الوسائل، إذ ليس اللّعبُ ما يعدم هذه، فلديه منها ما لم يخطر حتى على بال صاحب الأمير.
حتى لو استطاع المرء، بمعجزة ما، أن يشاهد كلّ أهداف كرة القدم منذ الطفولة المبكّرة للّعبة إلى الآن، فإنّه لن يستطيع أبدًا أن يجعل لها تصنيفًا تتبادر به فورًا إلى الأذهان. فهذه الصفة أو تلك، إنّما تنطبق على آلاف الأهدافْ التي لا يجمع بينها سوى التّصفيق والهتافْ.
ومع ذلك، لا بأس بجرد سريع لبعض أنواعها المعروفة:
الهدف العشوائي، وهو الهدف الذي يفتقر للتّصميم والبناء، فينجم عن زحام قرب المرمى، حيث لا تظهر الكرة، إن ظهرت، إلّا كجرذ ضخم يتحاشى الرّكلات، فإذا نجا بنفسه واحتمى بالشّباك، سُمّي ذلك هدفًا.
الهدف الأولمبي، وهو الهدف الذي يُسجّل من ضربة ركنيّة دون أن يلمس الكرة أحد وهي في طريقها إلى الشّباك. ولقد دشّن هذه السلسلة الفريدة من الأهداف اللّاعب الأرجنتيني سيساريو أونزاري في مباراة ضدّ الأوروغواي في عشرينيات القرن الماضي.
الهدف المِقَصِّي، ويُنسب السّبق في تسجيل هذا النوع من الأهداف إلى اللّاعب رامون أونزاغا، وقد عُرف أوّل الأمر بالضربة التشيلية، نسبةً لجنسية صاحبه، قبل يصير بأسماء أخرى كالمقصّية والمزدوجة والخلفية وضربة الدّرّاجة…
الهليكوبتر، وهذا ليس اسم هدف، وإنّما اسم هدّافٍ هو زامورانو. فقد كان الفتى يرتمي أفقيًّا على الكرة، فيسجّل بالرأس أهدافًا كما لو بمقدّمة طائرة. ومن عجائب الصّدف أن يكون زامورانو هذا أيضًا من التشيلي، فكما لو أنّه حفيد لأونزاغا تمامًا مثلما هي الهليكوبتر حفيدة الدرّاجة الهوائية.
أمّا الهدف المارادوني، ودونه باقي الأهداف، فيُطلق على الهدف الذي يتمّ تسجيله بعد مراوغة المهاجم لمعظم الخصم. وقد سمّي كذلك نسبة إلى هدف المارد مارادونا الذي سجّله على الإنجليز في المونديال بعد أن راوغ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، مؤكّدًا للعالم والنّاس أنّه لا يملك فقط اليد الطّولى التي وقّعت الهدف الأول، وهو هدف في منتهى الصّوفية، وإنّما يملك أيضًا القدم المثلى التي أبدعت هدفًا يُضاهي جمالًا جزر فوكلاند.
ثمة أيضًا الهدف الذهبي الذي لم يشفع له اسمه الثمين، فلم يعد معمولًا به.
وثمة الهدف العكسي، ولا أشدّ مضاضة منه سوى ظلم ذوي القربى.
وثمة الهدف القاتل، مجازًا لأنّه يجهز على المباراة، وفعلًا لأنّه يُردي هذا المشجّع أو ذاك بأدوات في منتهى البراءة: كالجلطة والسّكتة القلبية ونزيف المخّ…
ولمّا كان من الصّعب بمكان حصر أنواع الأهداف، فسنكتفي بالإشارة إلى أنّ معظمها يمتح من السرعة والقوّة والاندفاع، فإذا الحديث يجري حولها عن السّهم والقنّاص والقذيفة والصاروخ والمدفع والنّيران الصديقة… حتى إذا أضفنا إلى ذلك التّربّصَ ورأس الحربة والمعترك والمعسكر… اتّضح معجم التّرسانة. وهذا، لعمري، ممّا يستحقّ تعميقَ البحث وإمعانَ الدراسة.
لهذا ولكثير غيره، نتمنّى على الفيفا أن تلغي تمامًا نتيجة التعادل، اللّهم إذا كان بصفر لمثله، فليس مثل الصّفر سوى الصّفر، وإحداثَ مُعامِلاتٍ للأهداف حسب جماليتها وفَرادتها، فالتعادل بهدف لمثله، على سبيل التوضيح، قد يكون ازدراءً موصوفًا للّعبة، إذ من يُسوّي بالجرذ الهليكوبتر؟… فشتّان ما بين البالوعة والسماء.
ولك، سيدتي الفيفا، واسع النظر.
The post سرحان يسجل "الهدف" في مرمى "الفيفا".. الكرة بين السلطة والجمال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.