“سراق اللغة”.. كيليطو يفضح “لصوص” الأدب ويعتبر ممارستهم ضمانة للاستمرار

يطل الأديب عبد الفتاح كيليطو على قرائه بكتاب جديد يفضح فيه أشكالا من السرقة الواعية واللاواعية التي يقترفها الكتاب في حق نصوص سابقة أو معاصرة، دون أن يدين هذه الممارسة، بل يعتبرها الضامن الطبيعي لاستمرار جريان النهر العظيم للآداب الإنسانية عبر التاريخ.

ذلك أن كل النصوص تحيل إلى غيرها ليتشكل المشهد العام للأدب العالمي كفسيفساء مفتوحة تغتني بحوارات متواصلة بين النصوص وإحالات صريحة أو ضمنية دون أن يخدش ذلك إبداعية هذا الكاتب أو ذاك. والواقع أن هذا المعطى كان حاضرا ببداهة عند قدماء المشتغلين بالأدب، يقول كيليطو، خلال تقديم الترجمة العربية لكتابه “سراق اللغة” الصادر حديثا عن منشورات المتوسط، اليوم الجمعة في رواق قطاع الثقافة، ضمن فعاليات الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب.

 

عند القدماء كان الشعر الجيد هو الذي يذكر الناس بشعر سابق. إنه مفهوم إيجابي لسرقة تربط الحاضر والماضي بخيط إبداعي رفيع. ولعل ذلك ما يفسر إقدام المؤلف على تصدير الكتاب بقولة لغوستاف فلوبير: “عوض إبداع عمل جديد، قد يكون أكثر حكمة تبين أعمال جديدة تتوارى خلف القديمة”.

حين “يسرق” كاتب أو شاعر من سابقه، فهو يثري النصوص السابقة. يلاحظ كيليطو ذهول جانب من قرائه، فيستحضر مبتسما حالة الحريري في مقاماته التي تحيل إلى مقامات بديع الزمان الهمذاني.

تبدأ الإثارة من عنوان الكتاب “سراق اللغة” على عادة كيليطو في استفزاز حيرة القارئ وهو يتجدد مع عناوين تجمع الكثافة والانفتاح على التأويل: “العين والإبرة”، “حصان نيتشه”، “الغائب”، “لن تتكلم لغتي”…وهو عنوان يوثق أيضا صلة كيليطو بعوالم الجاحظ، إذ يحيل على كتاب له: “حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل”.

لكن المؤلف يعترف أنه “سرق” عنوانه الكامل هو الآخر من كاتب ملغاشي خاطب مؤتمر الكتاب الفرونكوفونيين قائلا: “نحن سراق اللغة”. كان يتحدث عن موقف الأدباء المنحدرين من ثقافات ولغات أخرى وهم بصدد تطويع الفرنسية، لغة الاستعمار، وتملكها ونقلها الى مجالات حضارية مغايرة، بل انتزاعها من لسان “المستعمر (بالكسر) لتسكن لسان المستعمر (بالفتح). هنا، يعود كيليطو الى فكرة اللغة كساحة صراع حول الهوية، مستدعيا قولة كاتب ياسين: “الفرنسية غنيمة حرب”.

يعزز مترجم الكتاب، إسماعيل أزيات، فكرة كيليطو مذكرا بأن موضوعة السرقة شغلت النقاد القدامى وأدرجوها في باب خاص: “باب السرقة”، كما أن أغلبهم لم يعتبروها نقيصة بل جزءا صميما من عملية كتابة الشعر وديمومته. وقد رأى ابن رشيق أنها في مستوى الحتمية بحيث لا أديب بمنجاة منها. لكن السرقة بهذا المعنى النبيل عملية خفية رفيعة لا يدركها الا النبهاء ممن يتتبع سفر الكلمات والمتخيل عبر الأماكن والأزمنة. إنها ضرب من اللعب باللغة، فن ليس في متناول الجميع.

ويكشف إسماعيل أزيات، الذي يقرأ كتابات عبد الفتاح كيليطو بعشق متجدد، عن صعوبة فعل الترجمة حينما يتعلق الأمر بكاتب معروف بلغته المكثفة والمقتصدة، وانفتاحه الواسع على مرجعيات فكرية ولسانية وأدبية متعددة، علما بأن كيليطو لا يقيم فرقا جوهريا بين نصوصه السردية ومحاولاته النقدية. لكن أزيات يستعين على المهمة الشاقة بصحبته الطويلة لمختلف كتابات كيليطو، وصلته الروحية بالكاتب.

ليس “سراق اللغة” كتاب الموضوع الواحد وإن كانت السرقة قاسما مشتركا بين عدد من النصوص التي يتضمنها. فالكاتب يتناول سرقات رمزية كثيرة، يقترفها “سراق الهوية”، و”سراق الحب”. ففي نص “سارق الحب”، يقارب كيليطو قصة هذه السرقة من خلال حالة الولد الأصغر الذي يستولي على قلب أبيه، على حساب باقي الإخوة. يذكر كيليطو جمهوره بأن القمر ليس الا “سارق ضوء” من الشمس.

تحضر في الكتاب الذي صدر أولا بالفرنسية عن (ملتقى الطرق) أسئلة الهوية اللغوية، إذ في كل صفحة، كما يقول الناشر في غلاف الكتاب، “نواجه ذلك التمزق الخفي الذي يسكن الكاتب العربي: بأي لغة نكتب؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟ هنا لا يتعامل كيليطو مع اللغة بوصفها أداة، بل ككائن حي، متحول، مراوغ. حيث اللغة ليست بريئة، إنها تستعار، تنتزع، تعاد كتابتها، وتسرق. أحيانا بحب وأحيانا بتمرد”.

اقرأ المقال كاملاً على لكم