ستة مليارديرات أقوى من الدول... المستقبل الإنساني بين التقدم العلمي والثروة المفرطة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بيل غيتس، إيلون ماسك، مارك زوكربيرغ، جيف بيزوس، لاري بيج وسيرغي برين، ستة أشخاص، جميعهم أميركيون، يمتلكون سلطة نظامية ذات تأثير هائل، ويتمتعون بنفوذ عالمي يجعلهم خارج متناول جباة الضرائب، ثرواتهم تفوق الخيال وتتراوح بين 50 و150 مليار دولار وفقاً لتقلبات أسواق البورصة، تأثيرهم أقوى من معظم دول العالم، حتى عندما تنخفض قيمة أسهمهم. وإذا كان في العالم عام 2023 ، وفقاً لإحصاء "فوربز"، 2668 مليارديراً، إلا أن هؤلاء خلافاً للمليارديرات الستة ليسوا من دعاة مبدأ ما بعد الإنسانية، ولا يسعون إلى تغيير الجنس البشري، وليست لديهم أحلام خلاصية، ولا يستخدمون ثرواتهم الهائلة لمحاولة القضاء على الموت، أو استعمار المريخ، ولا يمارسون كذلك تأثيراً سلبياً على نفسيات الأجيال الشابة.

تتناول كريستين كيرديلان في كتابها "أقوى من الدول، 6 مليارديرات غيّروا وجه العالم" (ترجمة أنطوان سركيس / دار الساقي 2025) موقع هؤلاء الأثرياء الستة ودورهم في الحراك السياسي العالمي المعاصر وتأثيرهم السلبي في أوساط الشباب والمراهقين.

ترى المؤلفة أنّ المليارديرات  الستة يبدون حذراً نظرياً من الإدارات الحكومية التي تسعى إلى تقييدهم أو فرض الضرائب عليهم، ويتخيلون أنفسهم في عالم بلا دول، بل هم يتقدمون في مجالات الفضاء والاكتشافات العلمية على الدول، فإيلون ماسك يمتلك ثلث الأقمار الصناعية للاتصالات التي تدور حول الأرض، وبفضل شبكته تمكنت كييف من إدارة حربها، فيما بات الفضاء السيبراني في يد الشركات الخاصة، وأصبح يلعب دوراً جوهرياً في الدفاع عن الدول. وتطلع بعض المليارديرات الستة إلى خوض تجربة السياحة الفضائية، حتى كأن الأرض باتت تضيق بطموحاتهم، فحلموا بالهجرة إلى الفضاء الخارجي في هياكل عملاقة تضم مدناً وقرى، فيما أولى آخرون اهتماماً خاصاً لقطاع الصحة، فأصبح بيل غيتس يشغل مقعداً في منظمة الصحة العالمية، وأسهم بمبلغ 750 مليون دولار في تمويلها.

أما سيرغي برين ولاري بيج، مؤسسا "غوغل"، فيؤمنان بالفردية المطلقة، وقد استثمرا جزءاً من ثروتهما في هذا الطموح المطلق: القضاء على الشيخوخة وعلى الموت، بصرف النظر عمّا إذا كان ذلك متاحاً للجميع أو للأثرياء فقط. وإذا كان هذان المليرديران قد وضعا لهما هدفاً شبه رسالي هو إنقاذ العالم، فإنهما وسواهما من المليارديرات، باستثناء بيل غيتس، لم يفعلوا شيئاً لتمويل اللقاحات أو توزيعها أثناء جائحة كوفيد. بل إنّهم جنوا مليارات الدولارات التي راكموها فوق ثرواتهم، وهم يتحملون مسؤولية كبيرة في تصاعد العنف والشعبوية، فضلاً عن تأثيرهم السلبي الخطر على الصحة النفسية للأطفال، الأمر الذي حدا بتصاعد الدعوات لمنع هؤلاء من التهرب من القوانين الضريبية.

 

كتاب “أقوى من الدول“. (دار الساقي)

 

خصّصت المؤلفة كيرديلان حيزاً كبيراً لإيلون ماسك، الملياردير الأكثر شهرة في القرن الحادي والعشرين ورائد الأعمال المثير للإعجاب، والرجل الذي يرى نفسه إلهاً، فيما هو في الوقت نفسه يثير قلق الحكومة الأميركية بتصرفاته المزاجية. هذا الرجل الذي عانى مراهقاً من تنمّر زملائه، وتجوّل في أرجاء كندا بحثاً عن عمل فعمل حطّاباً وحلم باكراً بالولايات المتحدة حيث أسس مع شقيقه مشروعاً شبيهاً بـ"غوغل"، وسعى إلى تطوير صاروخ قابل لإعادة الاستخدام، وتنظيم رحلات فضائية مأهولة بهدف إنشاء مستعمرات على المرّيخ، كما أنجز عام 2023 سيارة "تسلا" الأكثر مبيعاً في العالم، وأصبح المورد الرسمي لوكالة الـ"نازا" الذي ينقل روّاد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية واللاعب البارز في المشهد السياسي الأميركي.

على عكس إيلون ماسك، لا يسعى مارك زوكيربيرغ إلى السيطرة على الفضاء ولا يدّعي الألوهة في الشؤون الدولية، لكنه يحكم سيطرته على حياة ثلاثة مليارات إنسان من خلال "فايسبوك" و"إنستغرام"، وهو في أساس التحولات العميقة في مجتمعاتنا، يقف أمامه السياسيون عاجزين. فمنصاته تتحمّل مسؤولية كبيرة في تعميق الإنقسامات بين المجتمعات وتفكّك السكان وتعزيز تطرفهم، وتنامي القلق الاجتماعي، والاكتئاب والأفكار الانتحارية.

وإذا كان زوكربيرغ أول العارفين بأضرار شبكته، فإنّه آثر غضّ الطرف كي يبقي على أرباحه الخيالية ويصبح عام 2009 أصغر ملياردير في العالم.

أما لاري بيج وسيرغي بين، مؤسّسا شركة "غوغل" اللذان يمتلكان نفوذاً يفوق نفوذ رؤساء الدول، وثروة تقدّر بمئة مليار دولار لكلّ منهما، فقد أطلقا تحدّياً جديداً: قتل الموت. ولا يقلّ جيف بيزوس طموحاً عنهما، فقد طمح لبناء سفن فضائية عملاقة بحجم المدن الكبرى لنقل البشرية إلى الفضاء. وعام 2021 أصبح بيزوس رائد السياحة الفضائية بعد رحلته الخاصة على متن صاروخ شركته.

لكن بيل غيتس، الرجل الأقوى في مجال الصحة العالمية، وأكثر الناس سخاء في مجال العمل الخيري، حيث تجاوزت تبرعات مؤسسته تبرعات أكبر الدول باستثناء ألمانيا والولايات المتحدة، يبقى في المرتبة الخامسة بين أثرياء العالم وتقدّر ثروته بـ114 مليار دولار.

في نظرة شاملة لسلوك المليارديرات الستة والتراكم التصاعدي لثرواتهم، ترى المؤلفة أنّ هؤلاء كانوا، ولا يزالون يحملون، أحلاماً طوباوية عظيمة لتغيير العالم. ومن هذا المنطلق، تولّوا دوراً بديلاً عن الدول، قبل أن يشرعوا في تقويض سلطتها، وقد طرحوا حلولاً لكلّ مشاكلنا من الموت إلى استشراف موارد الأرض. إلّا أنّ التهديدات التي يفرضها هؤلاء المليارديرات، أقطاب التكنولوجيا على الدول والمواطنين، تنطوي على آثار سلبية كبيرة، ضريبية واقتصادية واجتماعية وديموقراطية، فهم يرفضون دفع الضرائب ويقضون على المنافسة، ويعطّلون الابتكار ويعملون على إضعاف وسائل الإعلام ويشكّلون خطراً على الصحة النفسية للشباب، الأمر الذي حدا ببعض السياسيين إلى المطالبة بتفكيك الشركات، لكن ذلك لا يحلّ المشكلة في رأي المؤلفة. فالحلّ الحقيقي يتطلب التوحيد الضريبي الأوروبي، واعتماد المعدّلات الضريبية نفسها في جميع دول الاتحاد الأوروبي، ووضع الشركات الكبرى التي تملك قوة مفرطة تحت المراقبة ومنعها من الاستحواذ على الشركات الناشئة، وتحجيم دورها في تفاقم الاستقطاب السياسي في الغرب وزيادة النزاعات الشعبوية. لكنّ اللحاق بركب العمالقة مثل "غوغل" أمر مستحيل في رأي المؤلفة، من دون ابتكار تكنولوجي كبير ومن دون إجراءات واسعة النطاق على مستوى القارة الأوروبية.

كتاب "أقوى من الدول" يضيء على جوانب واسعة من الحراك السياسي والاقتصادي والإعلامي والاجتماعي في عالمنا المعاصر، كاشفاً طبيعة التحديات التي تواجهها دوله في ظلّ الحلف غير المعلن بين الاكتشافات العلمية وتراكم الثروة والنفوذ، ما يطرح مسألة العدالة الاجتماعية، واستفادة الإنسانية قاطبة وعلى حدّ سواء من الثراء الاقتصادي والثورة العلمية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية