سباق الخيل في بيروت: المراهنات غير الشرعية تهز إرث الميدان
منذ أكثر من قرن، يحتفظ ميدان سباق الخيل في بيروت بمكانة خاصة في ذاكرة المدينة، ليس فقط كمساحة رياضية، إنما كجزء من الحياة الاجتماعية والتراثية للعاصمة.
فعلى المدرجات التي شهدت يوما حضور سياسيين ووجهاء وعائلات بيروتية، نشأت ثقافة خاصة يعتبر فيها عشاق الخيل أن "الفوز يعتمد أساسا على المعرفة الدقيقة بالجياد وسجلاتها والفرسان الذين يمتطونها، أكثر منه على الحظ".
كثيرون من رواد الميدان يرفضون وضع سباقات الخيل في خانة لعبة القمار التقليدية. بالنسبة إليهم، المسألة تبدأ بدراسة البرنامج الأسبوعي للسباقات، ومراجعة نتائج الحصان خلال الأشهر الماضية، والاستفسار عن وضعه الصحي والمدرب الذي يشرف عليه، إضافة إلى تقييم خبرة الفارس وقدرته على إدارة السباق. لذلك يرى هؤلاء أن الرهان على الخيل أقرب إلى "هواية قائمة على الخبرة" منه إلى لعبة حظ عابرة.
مراهنات غير شرعية
بعيدا من هذا المشهد العريق، تكشف التحقيقات الأمنية الأخيرة عن وجه آخر أكثر تشعبا. فقد أعادت قضية المراهنات غير الشرعية داخل ميدان بيروت تسليط الضوء على شبكة يشتبه في إدارتها عمليات قمار سرية والتأثير على نتائج بعض السباقات مقابل المال.
التحقيقات بدأت بعد رصد مخالفات داخل الميدان تتعلق باستخدام الهواتف الخليوية أثناء السباقات، قبل أن تتوسع لتشمل مراهنين ووسطاء ومشغلين لألعاب "البارولي" (مراهنات غير شرعية)، إضافة إلى شبهات حول تحويل أموال إلكترونيا لإدارة رهانات خارج الأطر القانونية. كما امتدت الشبهات إلى نشاطات مرتبطة بالإنترنت وشركات تحويل الأموال، فيما تحدثت المعطيات عن احتمال تورط بعض العاملين المرتبطين بالسباقات في عمليات التلاعب.
ومع اتساع التحقيقات، جرى تعميم مذكرات بحث وتحر في حق عدد من المشتبه فيهم ومنعهم من دخول الميدان، توازيا مع تجميد حسابات مالية يعتقد أنها استخدمت لإدارة عمليات المراهنات غير القانونية.

التطور الرقمي فرض نفسه
فرض التطور التكنولوجي واقعا جديدا على عالم سباقات الخيل، بعدما دخلت المراهنات الإلكترونية بقوة هذا القطاع. فقد باتت بعض الأنظمة الرقمية تعرض سباقات حقيقية مسجلة من بطولات أوروبية على مدار الساعة، مع إعادة تشغيل سباق جديد كل 10دقائق تقريبا، ضمن تجربة تفاعلية تحاكي أجواء السباقات المباشرة.
ويشارك عادة 8 خيول في كل سباق، فيما تعرض للمستخدمين تفاصيل دقيقة تشمل أرقام الانطلاق وألوان القمصان ومواقع الخيول داخل البوابات، إلى جانب تعليق صوتي بلغات عدة. وتعتمد هذه الأنظمة على مكتبة تضم أكثر من 1300 سباق حقيقي، مع تحديد نسب الأرباح وفق حجم المبالغ المراهن عليها.
قوننة القطاع
حاول القانون اللبناني منذ ثلاثينيات القرن الماضي تنظيم القطاع ووضعه تحت إشراف الدولة. فقد دخل قانون تنظيم سباقات الخيل والمراهنات حيز التنفيذ عام 1932، فارضا رسما بنسبة 2.5% من مجموع المراهنات لصالح الخزينة، مع إخضاع ميادين السباق والمراهنات لرقابة وزارة المال ومنع أي نشاط خارج الإطار المرخص. كذلك نص على عقوبات مالية وجزائية تصل إلى السجن ومصادرة الأموال في حق المخالفين، ولا سيما المرتبطين بـ"البارولي".
كادر
تاريخ سباق الخيل في لبنان
بدأت سباقات الخيل في بيروت عام 1916 مع إنشاء ميدان خاص في حرج بيروت، قبل أن يتحول سريعا إلى معلم اجتماعي بارز ارتبط بتاريخ العاصمة بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. وخلال عقود طويلة، استقطب الميدان جمهورا واسعا وشخصيات سياسية وملوكا ورؤساء زاروا لبنان.
تضرر الميدان خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وتعرضت المدرجات والحظائر للدمار وكادت مئات الخيول تنفق بسبب الحصار والقصف. وبعد الحرب، شهد مرحلة انتعاش خلال التسعينيات، قبل أن تعود الأزمات الاقتصادية والسياسية لتنعكس عليه عبر تراجع عدد الخيول والمرتادين وارتفاع كلفة تشغيله.
كيف تتم المراهنة على سباقات الخيل؟
أما إلكترونيا، فتقوم الأنظمة الحديثة على عرض سباقات حقيقية مسجلة مسبقاً بشكل متواصل. وتوفر المنصات معلومات تفصيلية عن الخيول وأرقام الانطلاق وألوان القمصان، فيما تُحتسب الأرباح وفق حجم المبالغ المراهن عليها ونظام الدفع المعتمد، مع إمكان إدارة الحسابات وتحويل الأموال عبر الإنترنت.