سام ليس رقماً... إسرائيل تغتال طفولة فلسطين
لا تزال آثار الصدمة واضحة على وجه فهد أبو هيكل، والد الطفل سام، البالغ سبعة أشهر، الذي قتله الجيش الإسرائيلي في 5 حزيران/يونيو الماضي. فمنذ ذلك اليوم، يستعيد مراراً لحظات إطلاق النار التي أودت بحياة ابنه، فيما يرافقه الألم النفسي كأنه لا يزال يعيش المأساة في لحظاتها الأولى.
كان الرضيع بين ذراعي والدته عندما أطلق جندي إسرائيلي النار على السيارة في طريقها إلى منزل العائلة في حي تل الرميدة بمدينة الخليل في الضفة الغربية. وبعد وقت قصير، فارق سام الحياة متأثراً بإصابته برصاصة اخترقت يد والده واستقرت في رأسه. حمله والده محاولاً وقف النزيف بيديه وسط صدمة وانهيار، فيما أصيبت والدته دانية بالرصاص أثناء احتضانها طفلها في المقعد الخلفي.
لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه
يقول فهد أبو هيكل، الأستاذ في جامعة بيت لحم، إن المركبة "كانت متوقفة"، وإنه رفع يديه قبل إطلاق النار، مضيفاً: "أي تبرير أو حديث عن خطأ لا يمكن أن يعيد حياة طفل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه".
ويشير، خلال لقاء مع "النهار"، إلى أن ما يلازمه اليوم يتجاوز الغضب والاستياء؛ فـ"هناك شعور أشد قسوة" يرافقه كل لحظة. ويضيف أن الجندي رفع سلاحه وأطلق النار على السيارة "من دون أي تنبيه أو تحذير".
يؤكد أبو هيكل أنه يرفض أن يتحول سام إلى رقم في الإحصاءات، قائلاً: "سام جزء من حياتي، وكل طفل هو بصمة وقصة حب وروح عائلة كاملة". ويرى أن آلاف الأطفال الفلسطينيين قُتلوا، لكن ذلك "لا يجب أن يحجب قصصهم الإنسانية أو يحولهم إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار".

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يشغل والد سام سوى مطلب واحد، هو الوصول إلى العدالة. ويؤكد أن الأدلة والشواهد واضحة، بما يستوجب محاسبة مطلق النار، مضيفاً: "ما جرى ليس حادثاً عادياً، ولا يجوز أن يمر بصورة طبيعية".
ويختم قائلاً: "لا يوجد أي سبب للقتل. لا مبرر لما حدث، والقاتل لا يستطيع أن يفسر لماذا أطلق النار".
تكشف مصادر مطلعة لـ"النهار" أن الجنود الذين خضعوا للتحقيق تواصلوا مع بعضهم بعضاً لتوحيد رواياتهم، رغم أن ذلك محظور وفق اللوائح القانونية. وعندما كانوا يستعدون لتقديم روايتهم، فوجئوا بمقطع الفيديو الذي نشرته منظمة "بتسيلم"، والذي أظهر بوضوح كيفية استهداف السيارة، وكشف محاولة الالتفاف على الوقائع.
.embed-kwikmotion-cRd7LmZqZSvOFNMqsNrDZQ { position: relative; padding-bottom: 178%; height: 0; overflow: hidden; max-width: 100%; } .embed-kwikmotion-cRd7LmZqZSvOFNMqsNrDZQ iframe, .embed-kwikmotion-cRd7LmZqZSvOFNMqsNrDZQ object, .embed-kwikmotion-cRd7LmZqZSvOFNMqsNrDZQ embed { position: absolute; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; }
سياسة إسرائيلية ممنهجة
تظهر تقارير صادرة عن لجان تحقيق أممية أن استهداف الأطفال الفلسطينيين لا يكون عشوائياً في كثير من الحالات، بل يندرج - بحسب تلك التقارير - ضمن هجوم يطال "قدرة الشعب الفلسطيني على الوجود وتحديد مستقبله"، عبر استهداف الفئة الأكثر هشاشة وضرب البنية المجتمعية التي تمثلها الأجيال الجديدة.
ويؤدي اختزال الأطفال الضحايا إلى مجرد أرقام في الإحصاءات والنشرات الإخبارية إلى طمس هوياتهم وقصصهم الإنسانية، فيما يساهم غياب المحاسبة في ترسيخ دائرة العنف واستمرار سقوط المزيد من الضحايا، في ظل سياسة تقوم، وفق منتقديها، على توسيع استخدام القوة العسكرية.
يقول المدير التنفيذي للمركز الفلسطيني لحقوق الطفل خالد قزمار، في حديث إلى "النهار"، إن "إسرائيل تستهدف الأطفال الفلسطينيين ومستقبلهم وأحلامهم"، مؤكداً أن أياً من هؤلاء الأطفال "لم يشكل خطراً على الجنود أو على إسرائيل".
ويضيف أن "استهداف الأطفال لا يقتصر على كونهم أطفالاً، وإنما يطاول المستقبل الفلسطيني بأكمله"، معتبراً أن "هذه السياسة رافقت الاحتلال منذ بداياته، إلا أن مظاهرها تصاعدت بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة".
الإفلات من العقاب
يشكل قتل الأطفال الفلسطينيين أحد أكثر أوجه الصراع مأسوية، إذ يواجهون أخطاراً تهدد حياتهم ومستقبلهم بصورة مباشرة في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.
ولا تحميهم براءتهم ولا قواعد القانون الدولي التي وُضعت لحماية الأطفال خلال النزاعات المسلحة، فيما تحوّل استهدافهم - بحسب منظمات حقوقية - إلى مشهد متكرر، تغذّيه حالة من التطبيع مع العنف وغياب المساءلة والتجريد من الإنسانية.
وتشير شهادات عدد من الجنود الإسرائيليين، إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية ومحلية، إلى وجود تعليمات قتالية مرنة وتوجيهات من قبيل "أطلق النار بقصد القتل"، بما يجعل استخدام القوة المميتة أكثر اتساعاً، وسط غياب العواقب القانونية داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية.
كما أن غياب آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، رغم توثيقها من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، يكرس حالة الإفلات من العقاب ويقوض فرص تحقيق العدالة.
في هذا السياق، اتهمت منظمة "بتسيلم" الحقوقية السلطات الإسرائيلية بتكريس سياسة "الإفلات من العقاب" في الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، مؤكدة أن الفيديو الذي نشرته يوثق إطلاق جندي إسرائيلي النار على سيارة عائلة أبو هيكل أثناء استعدادها للتوقف استجابة لأوامر الجنود، وأن السيارة "كانت بعيدة عن الجنود ولم تشكل أي خطر عليهم لحظة إطلاق النار".
وذكرت المنظمة أن ما لا يقل عن 240 طفلاً ومراهقاً قُتلوا في الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أغلبهم قضى على يد جنود إسرائيليين، وأن نحو ربع الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال تلك الفترة كانوا من الأطفال. كما أشارت إلى مقتل 54 طفلاً ومراهقاً فلسطينياً في الضفة الغربية خلال العام الماضي، وهو رقم أقل من ذروة عام 2023 التي بلغت 120 طفلاً، لكنه لا يزال أعلى بكثير من معدلات السنوات السابقة.
وخلصت "بتسيلم" إلى أنه لم تُوجَّه أي اتهامات في القضايا المتعلقة بالأطفال الذين قُتلوا في الضفة الغربية منذ بدء الحرب على غزة، معتبرة أن غياب المساءلة لا يعكس أخطاء فردية أو تجاوزات معزولة، إنما يشير إلى سياسة توسع الظروف التي يُسمح فيها للجنود بإطلاق النار على الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.
في النهاية، لم يقتل الجندي الذي أطلق النار روح الطفل سام وحدها، بل مزق حياة عائلة كاملة. قد لا يعرف أحد ما الصورة الأخيرة التي انطبعت في ذاكرة الطفل، لكن صورة مقتله ستبقى محفورة في ذاكرة والديه. وبينما يبقى سام واحداً من آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا، يظل مطلب العدالة حاضراً لدى عائلة ترى أن قاتل طفلها لا يزال بعيداً من المحاسبة.