"سالمة يا سلامة"... الحفر وراء الأغنية والحكاية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في حرّ أيار/مايو، فجعت يولاندا جيجليوتي العالم واختارت أن تنام الى الأبد في مقبرة مونمارتر وأمامها تمثال مكتوب عليه اسم داليدا (1933 - 1987)، إذ اكتفت بأربعة وخمسين عاماً.

ولدت داليدا في شبرا، حي الشهامة والجدعنة، لأسرةٍ تعود جذورها إلى الجنوب الإيطالي وحاولت تقديم نفسها كفتاة مصرية تصلح للرقص والغناء والتمثيل والجمال، مثل كثيرات من المتمصرات أشهرهن الراقصة كيتي يونانية الأصل. وشاركت بالفعل في فيلم "سيجارة كاس" للمخرج نيازي مصطفى.

بعد العشرين هاجرت داليدا لتصبح أشهر مغنيات فرنسا، لكن ذاكرة الطفولة ظلت حاضرة في القلب. ففي النصف الثاني من السبعينات، وهي في قمة مجدها، أرادت أن تقدّم تحية الى وطنها الأم مصر، وقدّمت أغنياتٍ قليلة مؤثرة أشهرها: "أحسن ناس"، "حلوة يا بلدي"، و"سالمة يا سلامة".

 

داليدا في مصر قبل سفرها إلى فرنسا. (أرشيفية)

 

ولأنها تدرك أن روحها وملامحها تنتمي إلى ضفتي المتوسط ما بين إيطاليا وفرنسا ومصر، كان من الطبيعي أن تخصص أيضاً أغنيةً للبنان تنديداً بالحرب.

إعتدادها بهويتها المتوسطية لا يتعارض مع انتمائها العميق لمصريتها. لذلك ظهرت في أغانيها تتجول في شوارع شبرا وتركب قارباً في النيل وتغنّي أمام الأهرامات وأبي الهول، مثلما احتفظت بالكحل في عينيها الواسعتين. كأن ارتباطها بمصر يفوق تأثير دمها الطلياني. ففيها أدركت ذاتها إنسانة وفنانة. ولم تتردّد، رغم صعوبة اللهجة المصرية عليها، في المشاركة في فيلم يوسف شاهين "اليوم السادس". وهو اختيار مجنون، سببه الوحيد حبّها العميق لمصريتها.

نسخة صلاح جاهين
من بين أغانيها العربية تُعدّ "سالمة يا سلامة" الأشهر عالمياً، كأنها جسر بين الشعوب والثقافات، لأنها قدمتها بتوزيعٍ عالمي مفعم بالفرح والشجن والحنين والرقص، في صورة "ريمكس" بلغات عدّة منها العربية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والألمانية.

أعيدت أغنية داليدا مرات لا تحصى من المؤلف الموسيقي الفرنسي ميشال جار في احتفالية القرن الحادي العشرين، وفرقة Alabina التي تركّز على دمج موسيقى الشعوب، وغنّاها التركي أتيلا تاش، واللبناني - الإنكليزي ميكا، والكندية من أصل مصري شانتال شمندي. كما ظهرت في أفلام عالمية وهندية منها أغنية  Plan. أي أنّ الأغنية تحوّلت إلى ظاهرة عالمية بفضل داليدا، البعض استغل إيقاعات الديسكو وقدّمها بأسلوبٍ راقص يستفز الأجساد للمرح، والبعض الآخر عالجها كأغنية لا تخلو من الشجن والحنين، وهناك من نقلها إلى جوّ صوفي عن تائه في الصحراء أو "رجل من رمال" يبحث عن فردوسه المفقود. ومنذ إطلاقها أواخر السبعينات احتلّت قوائم الأعلى استماعاً وانتشاراً في أوروبا.

 

داليدا أثناء غناء “سالمة يا سلامة“ في التلفزون الفرنسي. (أرشيفية)

 

ظلّ اللحن مقارباً للأغنية الأصلية مع تنويع الكلمات، واعتمدت داليدا في نسختها العربية على كلمات الشاعر صلاح جاهين، وموسيقى جيف بارنيل.

منح جاهين الأغنية صوراً أكثر رومانسية ونعومة، كأنّها حالة حب وحنين، وانزعج عندما فوجئ بأنّ داليدا غيّرت مفردة مهمّة في مقطع "فى شجره جوا جنينه عليها علامه... أنا ياما كنت بفكر فيها وكنت بسأل ياما... ياترا موجوده وقلبي محفوظ فيها"، لأنه كتبها "وقلبي محفور فيها، وبسبب قراءة داليدا للكلمات بحروف لاتينية غنتها "محفوظ".

بديع والشيخ سيد
صدرت الأغنية الأصلية تزامناً مع ثورة 1919 في ذروة عطاء سيد درويش، لحّنها لنجيب الريحاني من كلمات بديع خيري، ضمن مسرحية "قولوله" مع أغنيات: "شد الحزام"، و"مليحة جوي قلل القناوي" و"قوم يا مصري".

كانت مصر تعيش لحظة ثورة وغضب ضدّ الاحتلال ونفي زعيمها سعد زغلول ورفاقه، لذلك حفلت الأغاني بالإسقاطات السياسية والثورية:

"صفر يا وابور (القطار) واربط عندك نزلني في البلد دي
بلا أميركا بلا أوروبا مافي شي أحسن من بلدي
دي المركب اللى بتجيب أحسن من اللى بتودّي".

وأطلق البعض عليها أغنية "الجهادية" في إشارة إلى الشباب الذين يضطرون للالتحاق بالتنجيد تحت سلطة الاحتلال والعمل في "السخرة" كأنهم عبيد.

 

ألبوم “سالمة يا سلامة“.

 

تلاشى الطابع الوطني والسياسي والحزين، في نسخة داليدا، مع الاحتفاظ بالجملة الأساسية "سالمة يا سلامة" ومشاعر الحنين والاغتراب:

"ف الدنيا الكبيره وبلادها الكتيره لفيت لفيت لفيت
ولمّا ناداني حبي الأولاني سبت كله و جيت".

لم تكن داليدا الوحيدة التي أعادت نسخة سيد درويش بطريقتها الخاصة، بل غناها العديد من المطربين والملحنين منهم الشيخ سيد مكاوي والشيخ إمام وإيمان البحر درويش حفيد الشيخ سيد نفسه. ومن لبنان رونزا، وكذلك لينا صليبي ويارا وهيفاء وهبي (قلّدن نسخة داليدا).

أصل الأغنية
اعتاد سيد درويش ورفاقه من الشعراء مثل بديع خيري التقاط النغم والجمل الشعرية من ألسنة الناس وأهازيجهم. وتردّد أن جملة "سالمة يا سلامة" لم تكن خيالاً خالصاً بل استعارة من أغنية شعبية رائجة في أوساط البغايا.

آنذاك كان البغاء قانونياً في مصر، وبعد إصابة بعض جنود الإنكليز بأمراض بدأ التفكير في إلغائه وهو ما تحقق عام 1949.

كانت بيوت الأنس تسمى "الكراخانات"، وهي تسمية تركية من مقطعين "كرى" أي "النوم" و"خان" وتعني النزل أو المكان، واشتهرت في شوارع كثيرة مثل "كلوت بك"، وثمة أفلام كثيرة عالجت الموضوع منها "درب الهوى" الذي منع من العرض لسنوات.

كان لكلّ امرأة تعمل رخصة بها صورتها وسنّها، ولا بدّ من أن تجتاز الكشف الطبي الدوري في مستشفى الحوض المرصود. لم تكن الحكومة مهتمة بصحة هؤلاء النساء وإنما تخشى انتقال أي عدوى إلى الزبائن. فكان عليهن تسجيل بياناتهن في مقرّ "الصول باشا" (الشرطة) لضمان بقائهن تحت المراقبة.

 

داليدا في “اليوم السادس“ ليوسف شاهين.

 

تنوعت الوظائف المرتبطة بالبغاء، منها من مهمّتهن جمع الرسوم، و"القوادة" أو "العايقة"، و"مقطورة" التي تمارس النشاط، عدا الفتوات والبلطجية لمنع هروب البنات فكانوا يحاصرونهن أثناء الكشف والفحص في مستشفى الحوض المرصود.

بعد الفحص تحصل العاملة بالبغاء على شهادةٍ صحية مختومة، تريها للزبون حال طلبها، وكنّ يغادرن المستشفى على عربة يجرها حمار وهن يتباهين بسلامتهن من أي مرض ويغنين معاً: "سالمة يا سلامة... رحتي وجيتي بالسلامة"، وهاتك يا رقص وضحك وغناء ابتهاجاً بحصولهن على ترخيص لمزاولة المهنة.

الحوض المرصود
إذا صحت تلك الرواية - وهي محتملة جدّاً - فهذا يعني أن الأغنية الأصلية خرجت الى الحياة على يد البغايا في الحوض المرصود. فما معنى هذا الاسم الغامض؟

يرتبط الاسم بتابوتٍ فرعوني قديم وجد قرب مسجد وزاوية الجاولي، قيل إنّ أحد أمراء المماليك جلبه، وأطلق على التابوت اسم "الحوض المرصود" والرصد هنا بمعنى السحر والطلاسم.

تردّدت أساطير كثيرة حوله، منها أنّه كان في قديم الزمان سفينة يركبها أربعة أشخاص، للانتقال بين ضفتي النيل، ولو زاد راكب خامس تغرق بهم لأنّ الكهنة طلسموها هكذا، وقيل إنّ كافور الإخشيدي جمع علماء مصر لفك الرموز والطلاسم فلم يعرفوا. كما قيل إنّه كان ينبع في الحوض المرصود ماء نقي يشرب منه الإنس والحيوان من دون أن يعرفوا من أين يأتي، واعتقد الناس بسحر الماء وقدرته على الشفاء.

ثمة أسطورة أخرى ترتبط بذكرى عاشوراء بحيث تظهر جماعة من الجن في هيئة الإنس أمام التابوت وتحول طعام المارين إلى ذهب! كما لجأ إليه العشاق لفك السحر والأعمال السفلية.

نقل التابوت من موضعه ولم يبقَ من أثره سوى إطلاق اسم "الحوض المرصود" على المنطقة القريبة من "السيدة زينب"، وفيها أنشئ مستشفى للأمراض الجلدية، تردّدت عليه يوماً ما بغايا خائفات، ثم غادرن وهن يرقصن ويغنين "سالمة يا سلامة"، ليلتقطها بديع خيري ويجعلها سيد درويش أغنية وطنية عظيمة، وبعد نحو ستين عاماً أتت داليدا وجعلتها أغنية عالمية تؤدى بكل اللغات.

ولا أحد ممن غنوها ورقصوا على إيقاعاتها، حول العالم، كان يعلم أنها أغنية عفوية ترددت على ألسنة بغايا بائسات في شوارع "الحوض المرصود"، المنطقة الشعبية التي تعج بالأساطير والحكايات والسحر القديم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية