زيد الخير: قصة ابني المصاب بالتوحد ألهمتني بتأسيس "المنهج الكندي"

يُحتفى باليوم العالمي للتوحّد في الثاني من أبريل من كل عام، حيث يتصدّر المشهد العالمي يومٌ إنسانيّ يجسّد أسمى قيم الوعي والفهم والقبول والتضامن. ويُعدّ هذا الموعد مناسبةً يتوحّد فيها العالم لإعادة تسليط الضوء على قيمة الاختلاف، كما يشكّل فرصةً لتثمين جهود المختصّين، والإشادة بتفاني الأمهات والأسر التي تنسج يوميًا خيوط الأمل في حياة أبنائها، مرافقةً إياهم بخطى ثابتة نحو الاستقلالية والاندماج الكامل والمشاركة الفاعلة في مختلف مجالات الحياة.

في هذا الصدد أجرت جريدة هسبريس حوارًا مع دنيا زيد الخير، مستشارة متخصصة في الصحة الحركية والنفسية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وأستاذة في العلاج الطبيعي باتحاد المعالجين في كندا، ومحاضِرة دولية لأمهات أطفال الاحتياجات الخاصة، وهي مؤسسة المنهج الكندي MSN_Approach®، الذي تطوّر ليصبح اليوم مقاربةً تجديديةً رائدةً ومعترفًا بها دوليًا، تُدرَّس للمعالجين في كيبيك وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وإنجلترا، في تجسيد واضح لمكانته وتأثيره المتنامي على الساحة العالمية.

نص الحوار:

من أين انطلقت فكرة المنهج الكندي؟ وما القصة الملهمة التي كانت وراء تأسيسه؟

بدأت الرحلة سنة 2015، يوم تشخيص ابني باضطراب التوحّد. كانت تلك الصدمة نقطة تحوّل حاسمة في حياتي؛ لحظة امتزج فيها الألم بالحيرة، والخوف بالأمل. لم يكن الطريق واضحًا، وكانت التحديات قاسية، لكن كان هناك صوت داخلي قوي يدفعني إلى التأمل والفهم والبحث عن المعرفة، وإيجاد طرق حقيقية وفعّالة لمساعدته.

لم يكن أمامي خيار سوى أن أعيد ترتيب أولوياتي وسط كل تلك الصعوبات، وكان أهمها أن أواجه هذه المرحلة بإصرار، وأن أتجاوز العقبات بعزيمة لا تنكسر، مستندةً إلى إيماني العميق بعطاء ربٍّ كريم.

وبجرأة، قررت أن أغيّر مساري المهني، وأن أتخصص في مرافقة هذه الفئة الخاصة في المجتمع، جامعةً بين قلب أمّ يشعر بكل التفاصيل، ونظرة أخصائية تسعى إلى الفهم الدقيق والتأطير العلمي العميق.

ومن هذا الاحتكاك اليومي، ومن رحم التجربة الميدانية والإنسانية، وُلد المنهج الكندي ليكون شعلةً تنير درب كل طفل مختلف وأسرته، وسندًا حقيقيًا يخفّف من تحديات الرحلة، ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة في الاندماج والتطوّر.

كيف شقّ المنهج الكندي طريقه من محاضرات وورشات موجّهة لأمهات أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ودعمهنّ، ليصبح اليوم منهجًا احترافيًا متكاملًا يُدرَّس للمعالجين حول العالم؟

في بداياته، انطلق هذا المسار من رسالة إنسانية عميقة، كان هدفها الأول رفع الوعي وتكوين الأمهات، من خلال مشاركتهنّ تجربتي الشخصية مع ابني، وتزويدهنّ بأدوات عملية وتقنيات ملموسة تساعدهنّ على مرافقة أطفالهنّ في تفاصيل حياتهم اليومية بثقة ووعي أكبر. وقد قُدِّمت المعرفة آنذاك بأسلوبٍ يراعي اختلاف المستويات الأكاديمية والخلفيات المعرفية، حتى تصل الرسالة إلى كل أمّ بصورة واضحة وبسيطة وعملية.

لكن، مع تعمّق التجربة الميدانية واتّساع الرؤية، ومع طموحي في نشر هذه الرسالة النبيلة، لم يعد الأمر يقتصر على ورشات توعوية أو دعمٍ أسري، بل تحوّل إلى مشروع مهني وعلمي متكامل، يحمل رسالة واضحة وطموحًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية، ليُؤطَّر ضمن إطار علمي احترافي صارم موجَّه للمهنيين والمختصّين، ويشكّل جسرًا متينًا يجمع بين الخبرة الأكاديمية والواقع الميداني، وبين دقّة العلم ودفء الإنسانية.

وبخطوات واثقة ورؤية راسخة، شقّ المنهج الكندي طريقه نحو المؤسسات الرسمية، حيث لقي إشادة واسعة وتقديرًا كبيرًا، مما مهّد لاعتماده ضمن إطار تكويني منظَّم يراعي المعايير الدولية.

واليوم، وبكل فخر، يبرز المنهج الكندي كمقاربة رائدة معتمدة ومصادَق عليها، تحظى باعتراف هيئات مهنية مرموقة في كيبيك وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وأستراليا، بما يعكس مصداقيته العالية وقيمته المتنامية وحضوره المتوسع في المجالين الصحي والتكويني.

ما الرسالة الجوهرية التي تسعين إلى إيصالها من خلال المنهج الكندي؟

الرسالة الجوهرية التي أسعى إلى إيصالها من خلال المنهج الكندي هي أن كل طفل مميّز، مهما كانت تحدّياته، يحمل في داخله قدرات فريدة تستحق أن تُفهم وتُحترم وتُحتضن بكل وعي واحتواء.

النتائج الحقيقية والمبهرة تتحقّق عندما تلتقي خبرة الأخصائيين وضميرهم المهني بوعي الأمهات وتدخلهنّ المبكر ومواكبتهنّ اليومية، ليتحوّل هذا التكامل إلى قوّة داعمة تُحدث فرقًا عميقًا وملموسًا في جودة حياة الطفل، وتعزّز نموّه وتأقلمه واندماجه في محيطه.

هل لديكم توجّه مستقبلي نحو توسيع نطاق المنهج الكندي من خلال شراكات أو تعاونات في المغرب؟

بكل تأكيد، يُعدّ توسيع نطاق المنهج الكندي نحو المغرب من بين الأهداف التي أطمح إلى تحقيقها. هناك رغبة صادقة في أن تستفيد بلادي المغرب من هذه التجربة الرائدة، وأن يصبح هذا المنهج في متناول المختصين والأسر المغربية، بما يساهم في دعم الأطفال وتعزيز جودة مرافقتهم.

كما أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأثر الحقيقي يُبنى من خلال الشراكات الفاعلة وتكامل الخبرات، لذلك أبقى منفتحة على مختلف أشكال التعاون مع المهنيين والمراكز المتخصّصة والمؤسسات المعنية في المغرب، من أجل نقل هذه المقاربة وتكييفها مع احتياجات الواقع المحلي، والمساهمة في إحداث نقلة نوعية في مجال مرافقة الأطفال وأسرهم.

ما الرسالة الأخيرة التي تودّين إيصالها؟

في ختام هذا الحوار، أودّ أن أتوجّه بخالص الشكر والامتنان إلى جريدة هسبريس وطاقمها الاحترافي على إتاحة هذه المساحة الإعلامية القيّمة التي أعتز بها كثيرًا، وعلى دورها النبيل في فتح قنوات التواصل مع وطني المغرب، حيث كانت، منذ سنة 2016، رفيقًا حقيقيًا في إيصال صوتي ورسائلي إلى الأمهات والأسر المغربية، ومواكبة رسالتي الإنسانية والمهنية بكل احترام ومصداقية واحترافية.

أما رسالتي الجوهرية، فهي أن المعاناة ليست نهاية الطريق، بل بداية تحوّل عظيم وولادة رسالة سامية؛ تُنسَج منها القوة، ويُصاغ منها الأثر، ليمنح حياتكِ معنى أعمق، ويجعلها رسالة نبيلة في خدمة الإنسانية.

The post زيد الخير: قصة ابني المصاب بالتوحد ألهمتني بتأسيس "المنهج الكندي" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress