زيارة واشنطن والفرصة الأخيرة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حسن درغام*

هل يستطيع اتفاق الإطار أن يوقف الحرب نهائياً، وينهي الاحتلال، ويمهّد لعودة الناس وإعادة الإعمار، مقابل حصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة والجيش؟

هذا هو السؤال الذي يحمله الرئيس جوزف عون إلى لقائه مع الرئيس دونالد ترامب في واشنطن. فاللقاءات التي أفضت إلى الاتفاق برعاية أميركية، وكان آخرها في روما، تجاوزت المبادئ العامة إلى بدء التنفيذ في مناطق تجريبية في فرون وصريفا وزوطر الغربية، تمهيداً لتوسيع انتشار الجيش اللبناني، وترتيب الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة.

ولا تبدو الزيارة مناسبة دبلوماسية عادية، بل امتحاناً لقدرة لبنان على الانتقال من التعهدات إلى النتائج، وقدرة واشنطن على التحول من وسيط إلى ضامن. فالموقف اللبناني يتمسك بأن يبدأ المسار بانسحاب إسرائيلي فعلي من الأراضي المحتلة، لا بمجرد انتشار الجيش في قرى غير محتلة. أما المعادلة الأوسع فباتت واضحة: حصر السلاح والقرار الأمني بالدولة، مقابل وقف الحرب، وجدولة الانسحاب الكامل، وعودة السكان وإطلاق الإعمار.

ويمنح التلاقي السعودي–الأميركي لبنان فرصة سياسية نادرة، لكن تحويلها إلى إنجاز يتطلب ضمانات تمنع إسرائيل من تحويل المرحلة التجريبية إلى شروط أمنية مفتوحة، أو من استخدام انتشار الجيش بديلاً من الانسحاب.

وتزداد المهمة حساسية مع اهتزاز الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران. فأي توسع للمواجهة قد يعيد خلط الأوراق، ويمنح بنيامين نتنياهو فرصة للتنصل من الاتفاق وإعادة الجبهة اللبنانية إلى الحرب. ومن هنا كان لافتاً اتصال الرئيس عون بالرئيس نبيه بري قبل مغادرته، وهو المتمسك بوقف الحرب والانسحاب حتى الحدود الدولية ضمن مهل واضحة.

لكن نجاح الاتفاق لا يتوقف على الضمانات الخارجية وحدها، بل يتطلب مواجهة السؤال اللبناني الأصعب: كيف تحوّل السلاح من وسيلة مقاومة انتهت وظيفتها الأساسية بتحرير الجنوب عام 2000، إلى بنية نفسية ودينية واجتماعية وسياسية باتت مراجعتها أصعب من تحمّل نتائجها؟

يشبّه الدكتور بشار حيدر تجربة المقاومة بعملية جراحية نجحت في تحقيق غايتها. والعملية الناجحة يُفترض أن تنتهي بشفاء المريض، لا أن تتحول إلى سلسلة عمليات متلاحقة: حرب تموز 2006، ثم إسناد غزة بعد السابع من تشرين الأول 2023، وصولاً إلى إسناد إيران بعد اغتيال مرشدها.

وفي كل مرة اتسعت المواجهة، ازداد الجسد اللبناني إنهاكاً، فيما دفعت الحواضر الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية فاتورة غير مسبوقة. ولم يعد الدمار صورة عابرة، بل صار واقعاً في الخيام والعديسة وكفركلا وبنت جبيل وسائر قرى الحافة الحدودية، حيث هُدمت البيوت، وجُرفت الأراضي، وتحوّل أهلها إلى نازحين، فيما تبقى العودة مؤجّلة حتى بعد خروج الاحتلال، لأن قرى كاملة سُوّيت بالأرض، وإعمارها من جديد سيحتاج إلى سنوات طويلة.

إن نجاح المقاومة في التحرير لا يمنح السلاح صلاحية أبدية. فالوسيلة الضرورية في زمن الاحتلال قد تصبح عبئاً عندما تتحول إلى بديل دائم من الدولة. وبعد التحرير، لم يعد السؤال ماذا يفعل السلاح بإسرائيل فقط، بل ماذا فعل بالدولة وبالجماعة الأهلية التي حملته؟

نشأ حزب الله في بيئة عانت الاحتلال والتهميش وغياب الدولة، فقدم لها الحماية والكرامة والانتصار. ثم بُني حول السلاح مجتمع من المؤسسات والمدارس والمستشفيات والوظائف والإعلام والرعاية وشبكات المصالح. ومع استمرار غياب الدولة، لم يعد الحزب ممثلاً سياسياً فحسب، بل أصبح مؤسسة أمان يومية، وصار الانتماء إلى المقاومة هوية وأسلوب حياة ومصدراً للمكانة والحماية.

واختلط هذا البنيان بالعقيدة الدينية، فاستُحضرت المظلومية والشهادة والتضحيات التاريخية لإضفاء معنى مقدس على خيارات سياسية وعسكرية معاصرة. والمشكلة ليست في الانتماء الديني، بل في إسقاط المقدس على قرار سياسي قابل للصواب والخطأ؛ فعندما تصبح الوسيلة جزءاً من العقيدة، يتحول نقدها إلى تخوين.

يشرح عالم النفس الاجتماعي الأميركي Jonathan Haidt، في كتابه The Righteous Mind، أن العقل يتحول غالباً إلى محامٍ عن الهوية ينتقي ما يؤيدها، لا إلى قاضٍ يزن الوقائع بحياد. فيما يبيّن Maurice Halbwachs أن الجماعة تعيد صياغة الماضي بما يثبت هويتها ويبرر خياراتها. لذلك قد لا تقود فداحة الخسائر إلى المراجعة، بل إلى مزيد من التشبث بالسردية.

أما أمين معلوف، فيحذّر في "الهويات القاتلة" من اختزال الإنسان في انتماء واحد. فعندما تُختزل الجماعة في مذهبها، والمذهب في مقاومته، والمقاومة في سلاحها، يصبح التخلي عن السلاح شبيهاً بالتخلي عن الهوية نفسها.

لكن الجغرافيا تطرح سؤالاً مغايراً. فبلدات سنية ودرزية ومسيحية عاشت الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على الحدود نفسها، من دون أن تجعل امتلاك سلاح مستقل عن الدولة شرطاً لوجودها. فإذا كان السلاح نتيجة الجغرافيا والاحتلال وحدهما، فلماذا لم تنتج الجغرافيا ذاتها النتيجة نفسها لدى الآخرين؟

لعل الجواب أن السلاح الذي بدأ مقاومة تحول مع الزمن إلى رأسمال سياسي ورمزي، نقل الجماعة الشيعية من التهميش إلى القوة وراكم لها نفوذاً داخل الدولة. ولذلك قد لا يكون رفض اتفاق الإطار نابعاً فقط من استمرار الصراع مع إسرائيل، بل أيضاً من الخوف من خسارة موقع القوة الذي تراكم حول السلاح.

لقد دعم الإمام موسى الصدر القضية الفلسطينية، لكنه رفض أن يبقى الجنوب وحده جبهة مفتوحة يدفع أهلها كلفة صراعات الآخرين. ومن بنت جبيل، التي عرفت الاحتلال والمقاومة ثم دفعت مراراً كلفة الدمار، يذكّرنا أحمد بيضون بأن الشجاعة لا تكفي وحدها لتكون حجة سياسية؛ فالسياسة تُقاس أيضاً بما تحميه من أرض، وما تعيده من أهل، وما تمنعه من موت وتهجير.

من هنا، لا ينبغي شيطنة اتفاق الإطار باعتباره محواً لتاريخ المقاومة أو مطالبةً لبيئتها بالتنكر لتضحياتها. فهو محاولة لإنقاذ الجنوب من أن يبقى عالقاً بين احتلال يستدعي السلاح، وسلاح يمنح الاحتلال ذريعة للاستمرار.

لكن الدولة مطالبة بأن تثبت أنها ليست وعداً مؤجلاً: أن تحمي الأرض، وتعيد الناس، وتطلق الإعمار، وتفرض الانسحاب ضمن مهل واضحة. فالدولة التي تطلب السلاح يجب أن تمنح الأمان وتصون حق الناس في الحياة.

ولا تبقى الخيام والعديسة وكفركلا وبنت جبيل وسائر قرى الحافة الحدودية خطوط تماس تنتظر الحرب المقبلة، بل بلدات تعود إلى أهلها؛ وتجمع صور والنبطية أوصالهما من تحت الخراب، ثم تنهضان معاً إلى ضجيج الناس وحبهم للحياة.

 

*مهندس معماري وكاتب سياسي

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية