زيارة الشرع الضبابية لواشنطن: الموعد يتراجع والشروط تتقدم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

كشفت الضبابية التي أحاطت بزيارة محتملة للرئيس السوري أحمد الشرع لواشنطن حجم الحساسية التي باتت تحكم العلاقة بين دمشق والبيت الأبيض. خلال أيام قليلة، انتقلت الرواية من تسريبات عن اتصالات لترتيب الزيارة، إلى تحديد يوم الأحد موعداً لها، قبل أن يصدر توضيح رسمي سوري بأن زيارات الرئيس تعلن حصراً عبر القنوات الرسمية، ثم تأكيد مسؤول أميركي أن الزيارة غير مدرجة على جدول الأعمال. 

ضبابية الموعد لا تحجب ثقل السياق. فالزيارة، في حال ثبوتها، كانت ستأتي في لحظة تتكاثر فيها الملفات الأميركية الموضوعة أمام دمشق: دور محتمل في لبنان، تقليص النفوذ الروسي، دمج "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) داخل المؤسسة العسكرية، ضبط ملف المقاتلين الأجانب والجهاديين، واستكمال مسار رفع القيود القانونية الأميركية، وفي مقدمتها تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.

بناءً على ذلك، فقد تجاوزت القصة سؤال السفر إلى واشنطن. المسألة الأعمق تتصل بطبيعة المقايضة التي تتحرك داخلها العلاقة السورية ـ الأميركية: اعتراف سياسي، وتسهيلات اقتصادية، وتخفيف إضافي للقيود القانونية، مقابل التزامات أمنية وعسكرية تمس لبنان وروسيا و”قسد” وبنية الجيش السوري الجديد.

وتحتاج دمشق إلى هذا الباب الأميركي المفتوح. فالسلطة الانتقالية تريد تثبيت الاعتراف الدولي، واستقطاب الاستثمارات، وتخفيف مخاطر التعامل المصرفي، واستكمال إزالة القيود التي تطارد عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي. غير أن واشنطن، كما يظهر من مسار الأشهر الماضية، تربط كل مكسب سياسي أو اقتصادي بملف أمني أكثر حساسية. لذلك جاء اضطراب موعد الزيارة مؤشراً إلى انتقال العلاقة من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة تسعير الانفتاح.

 

براك وقناة العلاقة الرئاسية

تزامنت ضبابية الزيارة مع توسيع دور توم براك، سفير واشنطن لدى تركيا، بعدما أعلن ترامب تعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، مع استمرار دوره في أنقرة. هذا الترتيب يمنح براك موقعاً يتجاوز الإدارة اليومية للملف السوري، ويضعه عند تقاطع تركيا والعراق وسوريا ولبنان، أي عند النقاط التي تريد واشنطن إعادة هندستها في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

سبق لبراك أن لعب دوراً مركزياً في فتح القنوات مع دمشق، وتسهيل مسارات مرتبطة بالعقوبات، وإدارة ملفات حساسة، من العلاقة مع "قسد" إلى الترتيبات الأمنية مع إسرائيل ولبنان. لذلك كانت أي زيارة للشرع لواشنطن ستُقرأ، في هذا التوقيت، بوصفها محاولة لنقل العلاقة من الانفتاح السياسي إلى الالتزامات المتبادلة.

وتبدو قناة براك مفيدة للطرفين: تحتاجها دمشق للوصول إلى مركز القرار الأميركي، وتستخدمها واشنطن لربط الملف السوري بالمجال التركي والعراقي واللبناني، واختبار السلطة الانتقالية من دون تحويل كل خطوة إلى إعلان سياسي نهائي.

 

لبنان وروسيا: ملفان يوسّعان كلفة الزيارة

 

عاد الملف اللبناني إلى الواجهة بعد تصريحات ترامب عن دور سوري محتمل في مواجهة "حزب الله". وكانت "النهار" قد تناولت سابقاً كلفة هذا الطرح، بعد تقرير "رويترز" عن تشجيع واشنطن دمشق على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان، ثم نفي براك، وتأكيد مسؤول الدراسات في المعهد الديبلوماسي السوري عبيدة الغضبان أن دمشق رفضت طلباً أميركياً من هذا النوع، واضعاً الرفض في إطار منع اختلال التوازن الإقليمي.

الجديد أن هذا الملف دخل الآن في سياق الزيارة المحتملة. فواشنطن تنظر إلى سوريا بوصفها جزءاً من هندسة الضغط على "حزب الله" وإيران، خصوصاً في لحظة تتداخل فيها حرب إيران مع مسار لبنان والتفاوض الأميركي حيال مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة. أي اندفاع سوري في هذا الاتجاه قد يمنح دمشق مكاسب كبيرة لدى ترامب، لكنه يفتح في المقابل باب مواجهة مباشرة مع "حزب الله"، ويستحضر ذاكرة الوجود السوري في لبنان، ويدخل السلطة الانتقالية في حقل ألغام طائفي وأمني داخل سوريا ولبنان معاً.

 

قوات من الجيش السوري داخل أحد الأنفاق عند الحدود مع لبنان. (أ ف ب)

 

العامل التركي يزيد المشهد تعقيداً. فأنقرة تنافس إيران داخل سوريا، لكنها تتحسب من أن تُترجم هزيمة كاملة لمحور طهران إلى تفوق إسرائيلي مفتوح. لذلك يقترب خطاب "التوازن" الذي استخدمه الغضبان من حسابات تركية أوسع، خصوصاً بعدما حذر الرئيس رجب طيب أردوغان من أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان باتت تهدد أمن تركيا نفسها.

في المقابل، فتحت تعديلات النائب الجمهوري جو ويلسون داخل مسار موازنة الدفاع الأميركية ملف القواعد الروسية في حميميم وطرطوس. وهنا تتحول العلاقة مع موسكو إلى بند في الصفقة الأميركية. فواشنطن تريد تقليص النفوذ الروسي أو إخراج القوات الروسية من سوريا، وتربط ذلك بأمن قاعدة إنجرليك التركية، وبحرب أوكرانيا، وبإرث الدعم الروسي لنظام الأسد، وبقدرة موسكو على الاحتفاظ بموطئ قدم استراتيجي على البحر المتوسط.

لكن دمشق تعاملت مع موسكو خلال الفترة الماضية بمنطق التوازن. فالشرع تحدث من لندن عن إمكان تحويل القواعد الروسية إلى معسكرات تدريب، لا عن قطيعة مباشرة مع روسيا. وتدرك السلطة الانتقالية أن موسكو لا تزال تملك أوراقاً عملية في النفط، وقطع الغيار، والتسليح، والفيتو الديبلوماسي، فضلاً عن موقع طرطوس الجيوسياسي. كما أن الحساب الإسرائيلي لا يبدو بسيطاً؛ فخروج روسيا الكامل قد يفتح المجال أمام نفوذ تركي أوسع، وهو ما لا تراه تل أبيب بالضرورة مكسباً صافياً.

هكذا تتسع الصفقة. فدمشق مطالبة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإعادة ترتيب علاقتها مع روسيا في الساحل، وحدودها مع لبنان، وموقع "قسد" في الشرق، وبنية جيشها الجديد. وهذه ملفات لا تُحسم بزيارة واحدة، لكنها تفسر لماذا يصبح موعد الزيارة نفسه قابلاً للاهتزاز.

 

الكونغرس يكتب شروط العبور

 

تدفع إدارة ترامب باتجاه فتح الباب السياسي أمام دمشق، فيما يحاول الكونغرس ضبط هذا الانفتاح. فإلى جانب ملف القواعد الروسية ودمج "قسد" وبناء قدرات القوات السورية، برز اتجاه في مجلس الشيوخ يربط الدعم الدفاعي للحكومة السورية بجهودها لنزع سلاح المقاتلين الأجانب والجهاديين الموجودين في سوريا.

يمس هذا الشرط صلب البنية العسكرية الجديدة. فالسلطة الانتقالية تحاول تشكيل جيش من فصائل وسلاسل قيادة متداخلة، بينها مقاتلون أجانب تحوّلوا من عبء جهادي وفصائلي إلى اختبار أميركي مباشر. وكانت واشنطن قد أبدت سابقاً مرونة حيال إدماج بعض هؤلاء ضمن الجيش السوري الجديد بشروط الضبط والشفافية. أما تحويل الملف إلى شرط للدعم الدفاعي فيعني أن السياسة الأميركية تتحرك من الاحتواء إلى إعادة الهيكلة.

وتبقى جائزة دمشق الكبرى معلقة على مسار قانوني أطول: شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. فقد تقدمت المراجعة الأميركية، لكن الشطب الرسمي يتطلب أكثر من توقيع إداري. فالإخطار الرئاسي للكونغرس وفترة المراجعة اللاحقة يبقيان جزءاً من العملية. وهذا التصنيف، أكثر من أي عقوبة منفردة، يثقل عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي، ويدفع البنوك والشركات والحكومات إلى التعامل معها بحذر.

تبدو المعادلة واضحة. البيت الأبيض يفتح القناة السياسية، والكونغرس يحوّل الانفتاح إلى التزامات دفاعية وأمنية، و"سنتكوم" يقدم سوريا باعتبارها مركز ثقل في الحرب ضد "داعش"، ووزارة الخارجية تدير التصنيفات والعقوبات. أما دمشق فتحاول تحويل الانفتاح إلى مكاسب من دون دفع الثمن كاملاً دفعة واحدة.

من هنا، يصبح تراجع موعد الزيارة أو نفي جدولتها جزءاً من مضمونها السياسي. فالزيارة، إذا حصلت لاحقاً، لن تكون مناسبة بروتوكولية، بل محطة في تفاوض ثقيل على وظيفة سوريا الجديدة في الإقليم. وقد طُرح أيلول/سبتمبر كموعد بديل في أحاديث غير مؤكدة، لكن الشروط التي كشفتها هذه الضبابية لن تتأجل معه.

دخلت العلاقة السورية ـ الأميركية مرحلة القرارات الكبرى. أمام دمشق باب مفتوح في واشنطن، وخلفه ثمن سياسي وأمني واسع. الموعد قد يتراجع، أما جدول الشروط فقد بدأ فعلاً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية