زيارات ولقاءات "رئاسية" بين لبنان وأميركا: زيارات عمل، زيارات خاصة، ولقاءات على هامش الجمعيّة العامة للأمم المتحدّة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تكتسب زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهميّة استثنائية، لأنها تأتي في مرحلة مفصليّة من تاريخ لبنان والمنطقة، وبعد اتفاق الإطار التاريخي بين لبنان وإسرائيل الذي رعته الولايات المتحدّة. فالزيارة لا تُقرأ بوصفها محطة بروتوكولية، بل بوصفها امتداداً لمسار طويل من العلاقات اللبنانية الأميركية، عرَف محطّات تقارب وتباعد، وتأثر دائماً بالتحوّلات الإقليمية وبمكانة الدولة اللبنانية وقدرتها على الإمساك بقرارها.

 

كميل شمعون

في خمسينيات القرن الماضي، برز الرئيس كميل شمعون كأحد أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. ورغم أنه لم يعقد قمّة مباشرة مع الرئيس دوايت أيزنهاور، فإن علاقته بالإدارة الأميركية كانت وثيقة، بدءاً من لقائه وزير الخارجية جون فوستر دالاس في بيروت عام 1953، وصولاً إلى التدخل العسكري الأميركي عام 1958 عبر عملية "الخفاش الأزرق"، في سابقة شكّلت إحدى أبرز محطّات الحضور الأميركي المباشر في لبنان. وبعد مغادرته الرئاسة، زار واشنطن بصفة خاصة، محافظاً على تلك الصلة.

 

ومع انحسار تداعيات أزمة 1958، انتقلت العلاقات اللبنانية - الأميركية إلى التعاون الديبلوماسي؛ وهو ما تجلّى عام 1960 حين سُجِّل أوّل قمّة رسميّة موثقة بين رئيس حكومة لبناني ورئيس أميركي، عندما التقى الرئيس صائب سلام الرئيس أيزنهاور في نيويورك، حيث تناولت المباحثات قضايا التنمية وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، في مؤشر إلى اتساع أجندة العلاقات الثنائية خارج الإطار الأمني.

 

 

فؤاد شهاب

مع اللواء فؤاد شهاب رئيساً للبلاد، دخل لبنان مرحلة مختلفة، عنوانها التوازن وبناء الدولة ومؤسساتها. حافظ شهاب على قنوات تنسيق مع الولايات المتحدة، لكنه لم يعقد لقاءً مباشراً مع رئيس أميركي. أما الرئيس شارل حلو، فقد قام في أواخر ستينيات القرن الماضي بزيارة إلى الولايات المتحدة وشكّلت زيارته محطة بروتوكولية مهمة في مسار العلاقات اللبنانية-  الأميركية. وأسهمت الزيارة في تعزيز الحضور الرئاسي اللبناني في واشنطن، في أجواء ودية بين البلدين.

 

سليمان فرنجية

في عهد الرئيس سليمان فرنجية، بدأت تداعيات الصراع الإقليمي تنعكس على موقع لبنان. فقد عقد لقاءات مع وزيري الخارجية الأميركيين وليام روجرز وهنري كيسنجر، إلا أن الصورة الأكثر تعبيراً جاءت عام 1974 عندما استقبل كيسنجر في قاعدة رياق الجويّة بعد امتناعه عن الهبوط في مطار بيروت، في مشهد عكس حجم التراجع الذي أصاب موقع الدولة اللبنانية.

 

إلياس سركيس

وخلال الحرب اللبنانية، كثفت واشنطن اتصالاتها مع بيروت. استقبل الرئيس إلياس سركيس وزير الخارجية سايروس فانس أكثر من مرّة، كما التقى مبعوثين أميركيين، من دون أن يصل الأمر إلى قمّة رئاسية. في المقابل، بنى قائد القوات اللبنانية آنذاك بشير الجميل علاقة مباشرة مع إدارة رونالد ريغان، وزار واشنطن قبل انتخابه رئيساً، لكن اغتياله حال دون ترجمة تلك المساعي إلى شراكة سياسية كان يعوّل عليها.

 

أمين الجميل

مع الرئيس أمين الجميل، دخلت العلاقات اللبنانية - الأميركية مرحلة غير مسبوقة، إذ عقد ثلاث قمم رسميّة مع الرئيس رونالد ريغان في واشنطن بين عامي 1982 و1983، وتمحورت المباحثات حول دعم الجيش اللبناني، وإنهاء الاحتلالات، واتفاق 17 أيار، في فترة كانت الولايات المتحدة لاعباً أساسياً في الملف اللبناني.

 

رينيه معوض

أما الرئيس رينيه معوض، الذي انتخب رئيساً للبلاد في 5 تشرين الثاني 1989، واغتيل بعد 17 يوماً من انتخابه، فلم يلتقِ برئيس أميركي، لكنه كان يمثل في نظر واشنطن فرصة لاستعادة سيادة لبنان ووحدته. واعتبرت واشنطن آنذاك أن اغتياله ضربة موجهة إلى الجهود الدولية الرامية لإنهاء الحرب اللبنانية، وضربة لاتفاق الطائف.

 

بعد اتفاق الطائف، تبدّلت طبيعة التواصل مع واشنطن. ففي 29 أيلول 1990، التقى رئيس الحكومة سليم الحص الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في نيويورك، حيث أكد الجانبان دعم شرعية الدولة اللبنانية وتنفيذ اتفاق الطائف. وفي 24 أيلول 1991، التقى الرئيس إلياس الهراوي الرئيس بوش في نيويورك، وبحثا مؤتمر مدريد وتعزيز سلطة الدولة والجيش. وجسّدت هذه اللقاءات الدعم الأميركي لترسيخ مؤسسات الدولة بعد اتفاق الطائف. كذلك، كان للرئيس الهراوي لقاء ثانٍ في واشنطن بعد زيارة خاصة، تخلّلتها قمّة عمل مع الرئيس بيل كلينتون عام 1996.

 

كان رئيس الحكومة رفيق الحريري أكثر المسؤولين اللبنانيين زيارةً لواشنطن، إذ عقد ستة لقاءات رسمية مع الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش الابن بين عامي 1993 و2002. في المرحلة الأولى، ركّزت مباحثاته على حشد الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان وجذب الاستثمارات وتمويل مشاريع البنية التحتية. ومع مطلع الألفية الثانية، تحوّلت أجندة اللقاءات إلى قضايا الأمن الإقليمي، وانتشار الجيش في الجنوب بعد انسحاب إسرائيل، والاحتلال السوري، وسلاح حزب الله، في سياق دولي انتهى إلى صدور القرار 1559 عام 2004.

 

وعلى النقيض من ذلك، شهد عهد الرئيس إميل لحود، الممتد من العام 1998 حتى العام 2007، فتوراً غير مسبوق، بعدما اختارت واشنطن عزله ديبلوماسياً بسبب تموضعه السياسي، فاكتفت باتصالات على مستوى وزراء الخارجية، فيما غابت اللقاءات الرئاسية المباشرة.

 

لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة زيارة واحدة إلى واشنطن بين 17 و20 نيسان 2006، حيث استقبله الرئيس جورج بوش الابن في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس حكومة لبناني بعد الانسحاب السوري. تركّزت المباحثات آنذاك على دعم سيادة لبنان وتنفيذ القرار 1559، وإنشاء المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، إضافة إلى ملف مزارع شبعا وتعزيز احتكار الدولة للسلاح.

 

أعاد الرئيس ميشال سليمان العلاقات اللبنانية - الأميركية إلى مستوى القمم الرئاسية، فالتقى في أيلول 2008 الرئيس جورج بوش الابن في نيويورك، في أول قمة لبنانية - أميركية بعد انتخابه إثر اتفاق الدوحة. وفي زيارته الثانية، التقى الرئيس باراك أوباما في كانون الأول 2009، في واشنطن، لبحث دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته وتطبيق القرارات الدولية، ثم جدد اللقاء معه في أيلول 2013 في نيويورك، حيث دعمت الإدارة الأميركية سياسة "النأي بالنفس" وقدّمت مساعدات عسكريّة وإنسانية للبنان لمواجهة تداعيات الحرب السورية وأزمة النزوح.

 

في أيلول عام 2014 ، شارك رئيس الحكومة تمام سلام في قمّة دولية لمكافحة الإرهاب استضافها الرئيس باراك أوباما في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، حيث ركّزت المباحثات على دعم استقرار لبنان، وتعزيز قدرات الجيش، ومواجهة خطر تنظيم داعش.

 

أما رئيس الحكومة سعد الحريري، فقد التقى الرئيس باراك أوباما مرتين، في أيار 2010 وكانون الثاني 2011، وشهد اللقاء الثاني حدثاً استثنائياً تمثّل في سقوط حكومته أثناء وجوده في البيت الأبيض بعدما شَهَر حزب الله وحلفاؤه سلاح "الثلث الضامن" وأسقطوا الحكومة، وسط تأكيد أميركي آنذاك على دعم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وعاد الحريري إلى واشنطن في تموز 2017 للقاء الرئيس دونالد ترامب، حيث تركّزت المباحثات على استمرار دعم تسليح الجيش اللبناني، والعقوبات المفروضة على حزب الله، والتعاون في مكافحة الإرهاب.

 

خلال عهد الرئيس ميشال عون، لم يعقد أي قمّة رسمية مباشرة مع الرئيسين دونالد ترامب أو جو بايدن، واقتصرت الاتصالات على لقاءات مع مسؤولين أميركيين، أبرزهم وزيرا الخارجية ريكس تيلرسون ومايك بومبيو. في المقابل، تصاعدت الضغوط الأميركية بسبب تحالفه مع حزب الله وتأثير النفوذ الإيراني على الداخل اللبناني، بالتزامن مع اندلاع احتجاجات 17 تشرين 2019 وتفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية.

 

أما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فقد كان التواصل الأميركي مع حكومته مهمّاً؛ ففي أيلول 2024 شارك في اجتماعات الجمعيّة العامة للأمم المتحدة وسط جهود أميركية لوقف إطلاق النار، كما استقبل في بيروت مبعوثين أميركيين، أبرزهما آموس هوكشتاين لبحث تهدئة الحرب ومنع اتساعها، ثم وقّعت حكومته اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني 2024.

 

اليوم، تأتي زيارة الرئيس جوزف عون إلى البيت الأبيض في لحظة مختلفة من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع تحدّيات السيادة والمفاوضات وإعادة بناء الدولة مع مرحلة جديدة تمرّ بها المنطقة بعد 7 أكتوبر والحروب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران وأذرعها. وإذا كانت لقاءات الماضي تعكس ظروف كل حقبة، فإن الزيارة الحالية تفتح صفحة جديدة، وتمنح لبنان فرصة لإعادة تثبيت حضوره شريكاً للولايات المتحدّة في مرحلة تبدو من الأكثر حساسيّة في تاريخ المنطقة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية