زياد الرحباني: قصة حب على الطريقة المصرية
لا يمكن فصل تاريخ الغناء في مصر عن لبنان وسوريا، فصباح غنّت هنا وهناك، ووديع الصافي نال الجنسية المصرية، وظلّ لبنان الوطن الثاني لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي تعاون مع السيدة فيروز في أكثر من عمل عدا عن أدائها لبعض أغاني سيد درويش.
زياد الرحباني ومصر
امتد هذا الإرث المشترك إلى تجربة زياد الرحباني، والتي برغم انتمائها إلى مدرسة الرحابنة لكنها تفردت بملامح تخص زياد وحده. تأثر زياد بحكم تمرده وحسه الثوري بتجربة الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، فهناك قواسم كثيرة مشتركة في روح الغضب والهجاء السياسي والتمرد والنقد الاجتماعي، والانحياز للبسطاء والطبقة المطحونة، والإصرار على أن يكون الغناء والموسيقى رسالة تغيير وإيقاظ للوعي، وليس مجرد تسلية لمن يدفع ثمن التذكرة.
بتلك الفلسفة يعتبر زياد امتدادًا لتجربة نجم/الشيخ إمام، كأننا إزاء نسخة لبنانية ونسخة مصرية تتكاملان وتتماهيان في الرؤية ذاتها للفن، وهو ما عبر عنه زياد مرارًا، حينما تمنى لو غنى الشيخ إمام بنفسه أغنيته الشهيرة "أنا مش كافر".

لا ينفصل وعي زياد بتجربة الغناء الثوري الملتزم عند الشيخ إمام، عن حبه وتأثره بسيد درويش الأب الروحي للموسيقى المصرية، خصوصًا في الملمح السياسي والثوري الذي واكب ثورة 1919 في مصر، وأغانيه الشعبية والمتمردة والتي أعادت السيدة فيروز غناءها ووزع زياد نفسه بعضها ومنها: "الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية"، "أهو دا اللي صار"، "زوروني كل سنة مرة"، و"طلعت يا محلا نورها". حتى الأغاني العاطفية التي اختارتها فيروز للشيخ سيد تخص البسطاء والمهمشين وتختلف جذريًا عن تحليقها الرومانسي مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني.
سلطنة الشيخ زكريا
مثلما ارتبط زياد بالمسار الثوري للشيخ إمام وسلفه الشيخ سيد درويش، ارتبط بمسار آخر مغاير يخص الشيخ زكريا أحمد، صديق سيد درويش والتلميذ النجيب في مدرسته.
الشيخ زكريا أحد مجددي الموسيقى الشرقية من عمق روحها وآلاتها، وليس باستعارة قوالب وآلات غربية، فهو فنان السلطنة والارتجال، وصاحب المزاج الشعبي العفوي. وهذا مربط الفرس في افتتان زياد به، لدرجة أنه احتفظ له بصورة بجوار صورة أبيه. قدم الشيخ زكريا العاطفة الشرقية الدافئة بكل عفويتها وارتجالها وبساطتها وصخبها، غنى للبسطاء وأفراحهم ومشاعرهم وأحزانهم. جدد الموسيقى بطريقة شعبية، لا ثورية.
هنا ثمة مشتركات كثيرة بين تجربتي زياد والشيخ زكريا قد لا تتجلى للوهلة الأولى، منها خفة الظل والسخرية، وغناء لغة الناس الحقيقية وليس قصائد الشعراء الرنانة المتعالية. فأغاني مثل: "الورد جميل"، "غني لي شوي شوي"، "يا صلاة الزين"، "يا حلاوة الدنيا يا حلاوة"، و"هاتجنن يا ريت يا أخونا مارحتش لندن ولا باريس"، تشبه كثيرًا ملمحًا مهمًا في أغاني زياد الرومانسية. إنها الخفة ذاتها والنبرة اللاذعة والسخرية والذكاء وعفوية المشاعر والبساطة والمغامرة والتجديد.
زيارات قليلة
عدا عن المسار الثوري والمسار العاطفي الشعبي لدى الشيخ إمام والشيخ زكريا، وكيف هضم زياد التجربتين وطورهما بأصالة موهبته، وفق معطيات السياق اللبناني، ارتبط زياد بصداقات مع موسيقيين وشعراء مصريين، وزار مصر أكثر من مرة في سنواته الأخيرة، وشارك في مهرجان القاهرة الدولي للجاز مرتين، وظهر في أكثر من لقاء صحفي وبرنامج تلفزيوني.
واعترف زياد أن والده عاصي الرحباني كان يقول له عل ىسبيل المزاح بأن لديه "شلش مصري" أي جذر أو عرق مصري. وهو مجاز صحيح.

حاول زياد في زياراته المصرية أن يبقى أقرب إلى روح الشباب والتمرد، ويلتقي بمن يشبهون فلسفته في الحياة والفن، غير عابئ بالصيغ الرسمية الجافة. لأنه مشغول بما هو حقيقي وبسيط، وبالموسيقى الصافية والصادقة والموجعة، أكثر من انشغاله بالدعاية وتسويق ذاته.
نص الوداع
ثمة ولع مصري بتجربة زياد، خصوصًا لدى الشباب وأصحاب الرؤية الثورية والتجريبية للفن، كما احتلت أغانيه مع السيدة فيروز مكانة خاصة جدًا لدى الجمهور المصري. وعقب رحيله بأسابيع قليلة نشر الشاعر إبراهيم عبد الفتاح كتاب "كيفك أنت" (دار بتانة) مع صورة غاضبة لزياد على الغلاف.
قدم الكتاب قراءة مغايرة لتجربة زياد، لا تنطلق من السرد التقليدي لتاريخ حياته أو محطات مسيرته، بقدر ما تتوغل في عالمه الداخلي، سواء في علاقته بالإرث الرحباني أو تمرده الواعي عليه، وصياغة لغة فنية مبتكرة تخصه وحده. فالكتاب لا يتعامل مع زياد بوصفه مادة تاريخية جامدة، بل ينتقي من آرائه ونصوصه وإبداعه ومواقفه الإنسانية ما يخدم رؤية المؤلف لزياد كفنان غاضب وثائر.