زواريب الوطن… عندما تصبح الطوائف أكبر من الدولة!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} د. عصام ي. عطالله


في لبنان، لا تكون خطورة الكلمات دائماً في معناها المباشر، بل في كيفية استخدامها وتكرارها حتى تصبح جزءاً من الوعي الجماعي. فكثيراً ما تُطلق شعارات ومفاهيم سياسية تدخل تدريجياً في الحياة اليومية، فيعتادها المواطن من دون أن يتوقف عند حقيقتها أو عند الهدف الذي وُجدت من أجله.

وهنا تكمن إحدى أزمات لبنان الأساسية: تبدّل المفاهيم. فوسط الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وبين البحث اليومي عن لقمة العيش والخدمات المفقودة، لم يعد لدى الإنسان الوقت الكافي لمساءلة الخطاب السياسي أو التفكير بتداعياته على مستقبل الوطن.

كثيراً ما نسمع في لبنان كلمات كـ"الوطن" و"الأمّة" و"الجماعة"، وكأنها تحمل المعنى نفسه، فيما الفارق بينها جوهري. فالوطن هو أرض وهوية وذاكرة مشتركة. هو علاقة تاريخية وإنسانية تجمع المواطنين ضمن كيان واحد، رغم اختلافاتهم الثقافية والدينية والسياسية. هكذا نشأ لبنان: مساحة لقاء لا مساحة إلغاء، وتنوّع يُغني التجربة لا انقسام يهدّد وجودها.

أما عندما تصبح المشاريع العابرة للوطن أكبر من الوطن نفسه، وعندما تصبح الانتماءات الجزئية أقوى من الانتماء الوطني، فيبدأ الخلل. عندها تتراجع فكرة الدولة، ويصبح المواطن تابعاً لمشروع أو جماعة بدل أن يكون شريكاً في وطن.

فالمواطن ليس رقماً انتخابياً، وليس امتداداً لطائفة فقط، بل هو صاحب حقوق وواجبات ضمن دولة تحميه ويحميها. والمواطنة لا تعني إنكار الخصوصيات، بل وضعها ضمن إطار جامع اسمه الدولة والقانون.

لقد تحوّل الاختلاف في لبنان، بفعل الممارسة السياسية، من مصدر غنى إلى وسيلة تعبئة. وبدل أن تكون الطوائف جزءاً من الوطن، حاول البعض جعل الوطن مجموعة زواريب طائفية، لكلٍ منها حساباتها وخوفها ومصالحها.

هذا الوطن الجميل لم تضعفه تعدديته، بل أضعفه من استخدم هذه التعددية كوسيلة نفوذ. ففي كل أزمة، يظهر من يدّعي حماية جماعته: من يحمي المسيحيين، ومن يحمي المسلمين، ومن يحمي هذه الطائفة أو تلك. لكن بعد كل ما مرّ به لبنان، يبقى السؤال الأهم: من يحمي الدولة؟

فالانهيار المالي لم يسأل اللبناني عن طائفته قبل أن يضرب ودائعه. وفقدان الخدمات لم يميّز بين منطقة وأخرى. وانهيار المؤسسات أصاب الجميع. وهذا أكبر دليل أن مصير اللبنانيين واحد مهما حاول البعض تقسيم همومهم.

إن أخطر ما قد يحصل هو أن يقتنع المواطن بأن خلاصه يأتي من الزواريب الصغيرة لا من الدولة الجامعة، لأن الزواريب مهما اتّسعت تبقى ضيقة، ومهما قدّمت حماية موقتة لا تستطيع أن تبني اقتصاداً أو قضاءً أو مستقبلاً.

فيا أيها المواطن الحرّ: اعلم أن من يحاول اختصارك بطائفة أو مذهب، أو تحويل خوفك إلى أداة سياسية، يعمل، عن قصد أو عن غير قصد، على إضعاف الوطن الذي يحمي الجميع.

لبنان لا يحتاج إلى إلغاء اختلافاته، بل إلى الخروج من زواريبها. يحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى فكرة الدولة، حيث القانون فوق الجميع، وحيث المواطن أكبر من أي تصنيف.

لأن الوطن عندما يصغر يصبح زاروباً… وعندما يكبر يصبح دولة.

والسلام

د. عصام ي. عطالله
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية