زمن الأسود

في كرة القدم، كما في تاريخ الأمم، لا تقاس الإنجازات بعدد المباريات التي تربح، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجماعي، وبقدرتها على تغيير الصورة التي يحملها الآخرون عنك، والصورة التي تحملها أنت عن نفسك، وهذا بالضبط ما يفعله المنتخب المغربي منذ سنوات، وما أكده مرة أخرى في مونتيري، حين أطاح بهولندا وبلغ ثمن نهائي كأس العالم 2026، ليؤكد أن ما بدأ في الدوحة لم يكن قصة جميلة انتهت مع صافرة النهاية، وإنما مشروع متواصل يزداد رسوخا مع كل محطة جديدة، حتى أصبح وجود المغرب بين كبار اللعبة نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل والإيمان، لا استثناء ينتظر من يفسره أو يقلل من قيمته.

من تابع المباراة منذ دقائقها الأولى لم يحتج إلى انتظار ركلات الترجيح حتى يعرف أي المنتخبين كان الأقرب إلى الفوز، فأسود الأطلس فرضوا شخصيتهم منذ البداية، استحوذوا على الكرة، وتحكموا في الإيقاع، ووصلوا إلى مرمى هولندا في أكثر من مناسبة، بينما اكتفى منافسهم بالتراجع وإغلاق المساحات والبحث عن هجمة مرتدة، وكأن المنتخب الذي يملك تاريخا طويلا في البطولات الكبرى هو من يخشى المجازفة، فيما لعب المغرب بثقة فريق يعرف مكانته، ويؤمن بأن الفوز لا يمنحه التاريخ، وإنما يصنع فوق أرضية الملعب.

ولذلك لم يكن مستغربا أن يأتي هدف كودي غاكبو على عكس سير المباراة، كما لم يكن مستغربا أن يرفض المنتخب المغربي الاستسلام، لأن هذه المجموعة اعتادت منذ سنوات أن تتعامل مع الشدائد بهدوء، وأن تبحث عن الحلول داخل الملعب لا خارجه، فجاء هدف عيسى ديوب في الوقت بدل الضائع تتويجا منطقيا لإصرار لم ينقطع، وإيمانا لم يتزعزع، ورسالة جديدة بأن هذا المنتخب لا يغادر المباريات قبل أن تغادره هي.

ثم جاءت ركلات الترجيح، وهناك عاد ياسين بونو ليؤكد أنه واحد من أولئك اللاعبين الذين يولدون للمواعيد الكبرى، فالحارس الذي قاد المغرب إلى عبور تاريخي أمام إسبانيا في مونديال قطر، أعاد المشهد أمام هولندا، بهدوئه المعتاد، وثقته الكبيرة، وقدرته على تحويل أكثر اللحظات توترا إلى لحظات تمنح زملاءه الإيمان بأن النهاية ستكون مغربية، وهي ميزة لا تصنعها الموهبة وحدها، وإنما تصنعها الشخصية أيضا.

وإذا كان اللاعبون قد فرضوا حضورهم داخل الملعب، فإن محمد وهبي واصل بدوره تقديم صورة مدرب يعرف كيف يدير المباريات الكبيرة، فالرجل الذي تسلم المهمة وسط مقارنات لا تنتهي مع وليد الركراكي، لم يحاول أن يبدأ من الصفر، ولم يقع في فخ هدم ما أنجزه سلفه، وإنما حافظ على شخصية المنتخب، وأضاف إليها جرأة أكبر في المبادرة، وثقة أوضح في الاستحواذ، وهو ما يؤكد أن المشروع المغربي أصبح أكبر من الأشخاص، وأن قوة هذا المنتخب تكمن في استقرار هويته مهما تغيرت الأسماء.

ولم يكن مستغربا أيضا أن يعترف رود خوليت، أحد أعظم أساطير الكرة الهولندية، بأن المغرب كان الطرف الأفضل، وأن هولندا لم تكن تستحق الفوز، فهذه ليست مجاملة، وإنما شهادة خرجت من قلب المدرسة الهولندية نفسها، لتؤكد أن التفوق المغربي لم يكن محصورا في النتيجة، وإنما كان واضحا في الأداء، وفي الشخصية، وفي القدرة على فرض أسلوب اللعب طوال أغلب فترات المباراة.

ولعل أجمل ما في هذا التأهل أنه لم يكن موجها إلى هولندا وحدها، بل إلى كل الأصوات التي اتخذت من التشكيك في الكرة المغربية منهجا ثابتا، فكل إنجاز يقابل بالتقليل، وكل نجاح يواجه بتفسيرات تبحث عن الانتقاص منه، وكأن الاعتراف بما بلغه المغرب أصبح أمرا يصعب على البعض تقبله، غير أن أسود الأطلس اختاروا ألا يخوضوا تلك المعارك، لأنهم يدركون أن كرة القدم لا تحسمها الضوضاء، وإنما يحسمها العشب الأخضر، فتركوا لأقدامهم مهمة الرد، وكانت النتيجة أن سقطت روايات كثيرة مع صافرة النهاية، وبقيت حقيقة واحدة لا يختلف حولها اثنان، وهي أن المغرب لم يعد ظاهرة عابرة، بل قوة كروية تفرض احترامها كلما دارت الكرة.

ولعل أكثر ما يمنح هذا الانتصار قيمته أنه جاء ليؤكد أن المنتخب المغربي لم يعد يعيش على إنجاز قطر، بل أصبح يصنع إنجازاته الخاصة في كل بطولة، فمنذ بلوغ نصف نهائي كأس العالم قبل أربعة أعوام، ارتفع سقف الانتظارات، وكثرت الأصوات التي راهنت على أن ذلك الإنجاز لن يتكرر، غير أن الأسود اختاروا الرد بالطريقة التي يجيدونها، فوق أرضية الملعب، حيث لا مكان للتأويل، ولا قيمة إلا لما تصنعه الأقدام.

لكن العبارة التي اختصرت كل شيء جاءت على لسان عيسى ديوب بعد المباراة، حين قال: “إذا كنا منتخبا كبيرا، فعلينا أن نذهب بعيدا في هذه البطولة.” لم تكن تلك مجرد كلمات خرجت تحت تأثير فرحة التأهل، وإنما إعلان واضح عن العقلية الجديدة التي تحكم هذا المنتخب، عقلية لا ترى في بلوغ ثمن النهائي نهاية الطريق، ولا تعتبر إقصاء هولندا إنجازا يكتفى بالاحتفاء به، وإنما تعتبر كل محطة بداية لمحطة أبعد، وكل نجاح مسؤولية جديدة، وهذه هي اللغة التي تتحدث بها المنتخبات الكبيرة.

الطريق ما زال طويلا، وكندا تنتظر في محطة جديدة لن تكون أقل صعوبة، فبطولات كأس العالم لا تعترف بالأسماء، ولا تكافئ من يعيش على أمجاد الأمس، وإنما تكافئ من يحافظ على طموحه مهما تعاظمت الإنجازات، والمغرب يبدو اليوم واحدا من تلك المنتخبات التي لا تكتفي بما وصلت إليه، لأنها تعرف أن المجد الحقيقي لا يصنع بلحظة واحدة، وإنما يبنى خطوة بعد أخرى، ومباراة بعد أخرى، وجيل بعد جيل.

ولهذا، فإن ما تحقق في مونتيري يتجاوز كثيرا حدود بطاقة عبور إلى الدور المقبل، لأنه أكد مرة أخرى أن كرة القدم المغربية لم تعد تطلب مكانا بين الكبار، بل أصبحت تدافع عن مكان اكتسبته بعملها، وتحافظ عليه بأدائها، وتوسعه بطموحها، وذلك هو الفارق بين منتخب يصنع مفاجأة، ومنتخب يكتب التاريخ.

The post زمن الأسود appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress