زلزال الطاقة العالمي... بين انسداد هرمز وتراجع مخزونات النفط وتحديات الاقتصاد الروسي
تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك الشديد نتيجة تداخل العوامل الجيوسياسية مع التوقعات الاقتصادية المتباينة، حيث تتصدر آخر أخبار الطاقة تحولات جذرية في خريطة العرض والطلب.
وفي ظل بقاء مضيق هرمز في حكم المغلق، يواجه العالم أزمة إمدادات خانقة أدت إلى انخفاض إنتاج الشرق الأوسط بملايين البراميل، مما دفع بأسعار الوقود إلى مستويات قياسية أرهقت المستهلكين والشركات على حد سواء، وأجبرت الحكومات على تبني سياسات تقشفية لترشيد الاستهلاك.
أوبك وتعديل بوصلة الطلب العالمي
في تقريرها الشهري الأخير، أقدمت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) على خطوة لافتة بخفض توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لعام 2026، وذلك للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر. هذا التعديل يعكس واقعاً معقداً تفرضه الضغوط التضخمية والتوترات الجيوسياسية.
أرقام الطلب بين 2026 و2027
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المنظمة، جاءت التوقعات كالتالي:
عام 2026: توقعت أوبك نمو الطلب بمعدل 1.17 مليون برميل يومياً، وهو تراجع ملحوظ عن تقديرها السابق الذي كان يشير إلى 1.38 مليون برميل.
عام 2027: في المقابل، رفعت المنظمة توقعاتها لهذا العام بمقدار 200 ألف برميل يومياً، ليصل النمو المتوقع إلى 1.54 مليون برميل يومياً، ما يشير إلى تفاؤل حذر بتعافي الأسواق على المدى الأبعد.
الربع الثاني من العام الحالي: تم خفض متوسط الطلب المتوقع إلى 104.57 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 105.07 مليون برميل في التوقعات السابقة.
ورغم هذه التحديات، ترى أوبك أن الحالة الاقتصادية العالمية لا تزال تظهر علامات صمود، خاصة في ظل استمرار الأزمات في منطقة الشرق الأوسط التي تعد القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية.
أزمة المخزونات ووكالة الطاقة الدولية
بينما تحاول الأسواق استيعاب أرقام أوبك، حذرت وكالة الطاقة الدولية من هبوط تاريخي في مخزونات النفط العالمية. وأشارت الوكالة إلى أن المخزونات تراجعت بمعدل يقارب 4 ملايين برميل يومياً خلال شهري مارس وأبريل، وهي وتيرة قياسية تعزى بشكل مباشر إلى اضطرابات الإمدادات الناجمة عن النزاعات في المنطقة، لا سيما حرب إيران التي أثرت بشكل مباشر على تدفقات الخام.
تقوم المنصات الاقتصادية بمتابعة هذه التطورات التي تشمل تنسيق الوكالة لعمليات سحب من مخزونات الطوارئ في دول كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا لمحاولة كبح جماح الأسعار. ومع ذلك، تبقى التوقعات قاتمة، حيث تشير الوكالة إلى أن السوق ستعاني من نقص حاد حتى لو انتهت الصراعات قريباً، نظراً للفجوة الكبيرة التي خلفتها فترة الإغلاق.
الاقتصاد الروسي بين ضغوط الحرب والركود
على الجانب الآخر من المشهد، يواجه الاقتصاد الروسي تحديات وجودية. فرغم محاولات الرئيس فلاديمير بوتين لإنعاش النمو، إلا أن الأرقام الرسمية تشير إلى تباطؤ حاد.
أسباب التباطؤ في روسيا
أوضح نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك أن التوقعات لنمو الاقتصاد في عام 2026 تم خفضها لتصل إلى 0.4% فقط، بعد أن كانت التقديرات السابقة تشير إلى 1.3%. وتعود هذه الأزمة إلى عدة عوامل:
السياسة النقدية المتشددة: الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترات طويلة لكبح التضخم أدى بالتبعية إلى خنق النمو الاقتصادي.
أزمة العمالة: أدت الحرب والتحولات الديموغرافية إلى نقص حاد في الأيدي العاملة.
العقوبات الغربية: تعطلت سلاسل الإمداد وتدفق رؤوس الأموال بشكل كبير.
الإنفاق العسكري: أصبح الإنفاق على الحرب يستحوذ على ثلث الموازنة العامة، مما حرم القطاعات التنموية الأخرى من التمويل اللازم.
وعلى الرغم من ارتفاع إيرادات النفط بسبب أزمات الشرق الأوسط، إلا أن الحكومة الروسية تبدو متشائمة بشأن استمرار الأسعار المرتفعة، حيث وضعت تقديرات الموازنة بناءً على سعر 59 دولاراً للبرميل فقط.
الصين وبحثها عن بدائل الغاز القطري
في ظل إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، وجدت الصين نفسها في وضع صعب، خاصة مع توقف الإمدادات القطرية التي تمثل 30% من وارداتها. إلا أن التنين الصيني أظهر مرونة في التعامل مع الأزمة من خلال:
تنويع الموردين: الاعتماد المتزايد على شحنات من كندا ونيجيريا لتعويض النقص القطري.
تعزيز الإنتاج المحلي: زيادة الاعتماد على الغاز المستخرج محلياً وإمدادات الأنابيب البرية من وسط آسيا وروسيا.
اللجوء للطاقة البديلة: تفعيل محطات الفحم والطاقة المتجددة لضمان استمرار إنتاج الكهرباء.
ومع توقعات بارتفاع درجات الحرارة وظهور ظاهرة "إل نينيو"، قفزت أسعار الغاز المحلي في المناطق الصناعية مثل غوانغدونغ بنسبة 70%، مما دفع الشركات الصينية للعودة إلى السوق الفورية لتأمين احتياجاتها الصيفية رغم التكلفة العالية.
كلمة أخيرة
إن تشابك الأزمات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية الكبرى يضع العالم أمام مرحلة انتقالية صعبة في قطاع الطاقة. فبين خفض توقعات أوبك، ونضوب المخزونات العالمية، وتعثر الاقتصاد الروسي، يبقى المستهلك النهائي هو الحلقة الأضعف في مواجهة ارتفاع الأسعار. إن استقرار الأسواق في المستقبل يعتمد بشكل كلي على إعادة فتح الممرات المائية الحيوية وقدرة الدول الكبرى على موازنة احتياجاتها الطاقوية مع واقع اقتصادي عالمي يتسم بعدم اليقين.