روسيا والمستنقع الأوكراني
د. خالد العزي*
أعادت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) فتح النقاش الأوروبي حول مستقبل الأمن في القارة وقدرة الحلف على إدارة الحرب في أوكرانيا، في ظل استمرار العمليات العسكرية الروسية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع.
وبرز خلال القمة ملفان رئيسيان؛ الأول يتعلق بمدى قدرة دول الحلف، ولا سيما الأوروبية منها، على مواصلة دعم كييف عسكرياً ومالياً، والآخر يرتبط بإعادة بناء الصناعات العسكرية الأوروبية بما يعزز القدرات الدفاعية للحلف ويقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة.
بدأت تظهر تباينات داخل حلف الناتو بشأن استمرار الدعم لأوكرانيا. فقد أعلنت سلوفاكيا والمجر رفضهما تقديم مساعدات عسكرية جديدة، كما أبدت دول أوروبية أخرى تحفظات عن المشاركة في حزم دعم إضافية، ما يعكس تراجعاً في الإجماع الذي ساد خلال السنوات الأولى للحرب، ويضع الحلف أمام تحدي الحفاظ على وحدة مواقفه السياسية.
سيناريوات روسيا لاستكمال الحرب
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تبدو موسكو متمسكة باستراتيجية تقوم على استثمار عامل الوقت، مستفيدة من استنزاف القدرات الأوكرانية والرهان على تراجع وحدة الموقف الغربي. ويمكن تلخيص أبرز السيناريوات الروسية المحتملة بأربعة مسارات رئيسية:
أولاً: تواصل روسيا اعتماد استراتيجية تقوم على استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية الأوكرانية، سعياً إلى فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة تدفع كييف في نهاية المطاف إلى القبول بتسوية أقرب إلى الشروط الروسية، بعد أن تعثرت موسكو في تحقيق أهدافها عبر الحسم العسكري السريع أو الضغوط الديبلوماسية.
ثانياً: لا تزال موسكو توظف التهديد باستخدام السلاح النووي التكتيكي ضمن استراتيجية الردع، بهدف الحد من اتساع الدعم الغربي لكييف ومنع أي تدخل مباشر من جانب دول الناتو، مع الإبقاء على سقف التصعيد تحت مستوى المواجهة الشاملة.
ثالثاً: يرى بعض المحللين أن روسيا قد تلجأ إلى عمليات هجينة أو استفزازات محدودة لا ترقى إلى مستوى الحرب المباشرة، لكنها تستهدف قياس سرعة استجابة الحلف ومدى تماسك أعضائه في تطبيق مبدأ الدفاع الجماعي، مع تجنب أي خطوة قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الناتو.
رابعاً: يبقى هذا السيناريو أحد أهم رهانات موسكو، إذ تراهن على تزايد التباينات داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بشأن مواصلة دعم كييف عسكرياً ومالياً، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والداخلية التي يواجهها بعض الحكومات الأوروبية.
في المقابل، تواجه روسيا تحديات متزايدة قد تؤثر في قدرتها على مواصلة الحرب بالوتيرة الحالية، بينها استمرار الدعم الغربي لكييف، والتوسع المتسارع في الصناعات الدفاعية الأوروبية، والضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الروسية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تلقي بظلالها على الداخل الروسي.
بولندا الخوف القادم
تعدّ بولندا من أكثر الدول الأوروبية تشدداً في الدعوة إلى تعزيز القدرات الدفاعية لحلف الناتو، انطلاقاً من مخاوفها من احتمال تعرض الجناح الشرقي للحلف لأي تصعيد روسي. وقد أشار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى تقديرات استخباراتية تتحدث عن احتمال سعي موسكو إلى "اختبار صمود الناتو" عبر عمليات هجينة أو استفزازات محدودة في بولندا أو دول البلطيق، بهدف قياس سرعة استجابة الحلف ووحدة مواقفه. ومع ذلك، تبقى هذه الفرضيات في إطار التقييمات الأمنية، من دون وجود أدلة معلنة تؤكد نية روسيا تنفيذها.
السيناريو يبقى افتراضياً
تنفي موسكو أي نية لمهاجمة دولة عضو في الناتو أو تنفيذ عمليات هجينة ضد الحلف، مؤكدة أن الاتهامات الغربية تستند إلى تقييمات أمنية لا تدعمها أدلة معلنة. وفي المقابل، يرى محللون أن أي تصعيد روسي ضد دولة عضو قد يفضي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز تماسك الناتو وزيادة الدعم الغربي لأوكرانيا.
في النهاية، تدخل الحرب الروسية- الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل استمرار الرهان الروسي على استنزاف أوكرانيا وإمكان تراجع وحدة الموقف الغربي، في مقابل سعي الناتو إلى تعزيز قدراته الدفاعية. وبين التحذيرات الغربية والنفي الروسي، تبقى فرضية "اختبار صمود الناتو" سيناريو قائماً في التقديرات الأمنية لم تؤيده حتى الآن أدلة معلنة، بينما يظل التحدي الأبرز أمام الحلف هو الحفاظ على تماسك مواقفه حيال الحرب ومستقبل دعم أوكرانيا.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية