رواج السياحة يزيد بمضايق تودغى
مع أول خيوط الشمس التي لامست صخور مضايق تودغى الشاهقة، أمس الأحد، بدا وكأن المكان استعاد أنفاسه.. هدير المياه، وصدى الضحكات، ووميض عدسات الكاميرات كلها تفاصيل أعلنت أن مضايق تودغى خرجت من سباتها الشتوي لتفتح ذراعيها من جديد لعشاق الجمال.

المئات من السياح، مغاربة وأجانب، اختاروا نهاية الأسبوع الأخير ليكونوا أول الموقعين على دفتر زوار الصيف.. فرنسيون وإسبان وألمان يمشون جنبا إلى جنب مع عائلات قادمة من الدار البيضاء ومراكش وأكادير، توحدهم دهشة واحدة أمام عظمة المكان؛ بينما عائلة من فاس اختارت أن تفطر “خبز تفرنوت” تحت الجرف، في مشهد يختصر المغرب كله.
“هذه الأيام استثنائية”، قال لحسن أوبلا، مرشد سياحي جبلي ابن المنطقة، وهو يعدل قبعته تحت شمس أبريل الدافئة؛ ثم أضاف: “منذ أسبوع والهواتف لا تتوقف، الحجوزات وصلت 90 في المائة في بعض الفنادق ومؤسسات الإيواء”، لافتا إلى أن “الناس توحشو مضايق تودغى”.
بين الصخور التي يتجاوز ارتفاعها 300 متر، يتحول الممر الضيق إلى مسرح مفتوح، أطفال يلعبون بالماء البارد المنساب من عيون وسط المضايق، وشباب يتحدون الجاذبية في محاولات تسلق؛ بينما يختار آخرون الجلوس فقط.. يتأملون ويتركون للمكان أن يروي حكايته الصامتة.

مهنيو السياحة بالمنطقة يتحدثون بلغة الأرقام التي تبتسم أخيرا. وفي هذا الصدد، أكد أحمد صبري، صاحب مأوى سياحي على ضفاف الوادي، أن “السياح يتوافدون بكثرة هذه الأيام للاستمتاع والسياحة”، مشيرا إلى أن “الموسم بدأ قبل وقته، وهذا فأل خير علينا جميعا بعد أشهر من الهدوء”.
وأوضح المتحدث لهسبريس قائلا: “الانتعاشة لم تقتصر على المؤسسات السياحية والمطاعم، بائعو الصناعة التقليدية نصبوا منتوجاتهم من الفضة والزرابي تحت ظلال المضايق، وسائقو سيارات الأجرة الكبيرة يتناوبون على نقل الوافدين من تنغير إلى قلب المضايق”، وفق تعبيره.
من جهته، قال عبد الصمد بنحلي، فاعل جمعوي بالمنطقة، إن الكل يشتغل والكل متفائل، مبرزا أن ما يميز زوار اليوم هو تنوعهم؛ فتجد السائح الأوروبي الباحث عن المغامرة وتسلق الصخور يقف بجانب العائلة المغربية القادمة من المدن الكبرى لاستنشاق هواء الواحة النقي، فيما يختار الباحثون والطلبة عدساتهم لتوثيق الطبقات الجيولوجية الفريدة.

وأوضح بنحلي أن هذا المزيج الإنساني هو ما يمنح مضايق تودغى روحها الحقيقية، ويحولها من مجرد معلمة طبيعية إلى ملتقى للثقافات ورافعة حقيقية للتنمية المحلية التي يجب أن يستفيد منها الجميع.
سائح ألماني في عقده السادس، الذي كان رفقة مرشد سياحي مغربي، قال لهسبريس، وهو يلتقط صورة بانورامية: “زرت دولا عديدة في العالم؛ لكن مضايق تودغى فيها روح مختلفة.. فيها دفء”.
وتابع السائح عينه وهو يعدل نظارته الشمسية ويشير بيده نحو الممر الضيق بين الجبال: “هناك تشعر بأنك مجرد زائر صغير أمام العظمة الصامتة، أما هنا فالجبال تحتضنك، والناس يبتسمون لك”.

وصمت لبرهة ثم ختم ضاحكا: “زوجتي قالت لي سنعود إلى هنا كل ربيع.. أظن أنها على حق”، بتعبيره.
هذه العودة القوية للسياح ليست مجرد حركة عابرة، وإنما هي مؤشر حقيقي على تعافي القطاع السياحي بالجنوب الشرقي، وخاصة على مستوى إقليم تنغير؛ فبعد أشهر من الركود الموسمي، تعود تودغى لتؤكد أنها ليست مجرد معبر جيولوجي، بل رئة اقتصادية واجتماعية للإقليم كله.
السلطات المعنية والمهنيون يتوقعون أن تستمر الوتيرة في الارتفاع مع اقتراب العطلة الصيفية وعيد الأضحى، والرهان اليوم هو الحفاظ على هذا الزخم عبر تحسين الخدمات وتثمين المنتوج السياحي الجبلي والواحات الذي تنفرد به المنطقة.
The post رواج السياحة يزيد بمضايق تودغى appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.