رهانات بحجم وطن..
يدخل المغرب اليوم واحدة من أكثر مراحله حساسية وحسماً منذ عقود، مرحلة لا تحتمل التردد السياسي ولا ضيق الأفق الحزبي، لأن الدولة تتحرك بسرعة نحو إعادة تشكيل عميقة لموقعها الاستراتيجي ونموذجها التنموي وبنيتها المؤسساتية، بينما جزء كبير من الطبقة الحزبية ما يزال غارقاً في الحسابات الصغيرة، وكأن الوطن مجرد صندوق اقتراع كبير، وكأن السياسة لا تتجاوز معارك اللوائح والتحالفات وتقاسم المواقع.
المغرب لم يعد يعيش زمناً عادياً. البلاد تقف أمام أربعة رهانات تاريخية ستحدد شكل الدولة لعقود مقبلة: تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتباره مشروعاً سيادياً ومؤسساتياً ضخماً، تنظيم كأس العالم بما يحمله من إعادة بناء شاملة للبنيات والخدمات والصورة الدولية للمملكة، التحولات الدستورية والقانونية الكبرى التي تفرض تحديثاً عميقاً للترسانة المؤسساتية، ثم معركة تحقيق “مغرب بسرعة واحدة” وإنهاء الفوارق الترابية الصارخة بين المركز والهامش.
هذه ليست ملفات تقنية عابرة، بل لحظة إعادة صياغة الدولة المغربية الحديثة. غير أن المثير للقلق أن مستوى النقاش السياسي والحزبي ما يزال بعيداً بشكل مخيف عن حجم هذه التحولات. الدولة تتحرك بمنطق استراتيجي طويل النفس، بينما تتحرك الأحزاب بمنطق انتخابي قصير النظر. هناك فجوة واضحة بين مغرب يتهيأ للقفز نحو مرحلة جديدة، وأحزاب ما تزال تفكر بعقلية تدبير الانتخابات المقبلة فقط.
في ملف الحكم الذاتي مثلاً، يحتاج المغرب إلى نخب سياسية تمتلك رؤية تاريخية وقدرة على إنتاج تصورات جديدة للحكامة الترابية والتدبير المؤسساتي والتنمية المحلية، لأن الأمر يتعلق ببناء نموذج سياسي متكامل يرسخ السيادة المغربية ويمنح الأقاليم الجنوبية دينامية جديدة. لكن كثيراً من الأحزاب تتعامل مع القضية بمنطق المناسبات والخطابات الجاهزة، دون إنتاج فكري أو تأطير سياسي حقيقي يواكب حجم المشروع. بعض التنظيمات الحزبية تبدو عاجزة حتى عن تجديد نخبها المحلية، فكيف لها أن تواكب ورشاً بهذا العمق؟
وفي ملف كأس العالم، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. العالم كله يفهم أن تنظيم المونديال ليس مجرد تظاهرة رياضية، بل ورش دولة كامل: بنية تحتية، نقل، استثمار، تكوين، إدارة حضرية، تسويق دولي، وتحول اقتصادي واجتماعي واسع. المغرب أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل صورته ومكانته الدولية، لكن الأحزاب تكاد تكون غائبة عن هذا النقاش. لا رؤى اقتصادية واضحة، لا تصورات حول أثر الحدث على التنمية المجالية، لا مشاريع لتأهيل الشباب وربط الرياضة بالاقتصاد والسياحة والتشغيل. وكأن الأحزاب تنتظر فقط انتهاء الأشغال لتدخل موسم توزيع الإنجازات في الحملات الانتخابية.
الأخطر من ذلك أن المغرب مقبل على تحولات دستورية وقانونية وإدارية كبرى ستفرض إعادة بناء أجزاء واسعة من المنظومة المؤسساتية. هناك حاجة إلى نقاش سياسي عميق حول الحكامة، والعدالة المجالية، وفعالية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديث الإدارة، وإنتاج قوانين تستجيب لمغرب المستقبل لا لمغرب الأمس. غير أن جزءاً مهماً من الأحزاب فقد وظيفته الفكرية والسياسية، وتحول إلى مجرد آلة انتخابية موسمية. اختفى الاجتهاد، وغابت مراكز التفكير، وتراجع إنتاج الأفكار، وحل مكانها خطاب مناسباتي فارغ لا يلامس الأسئلة الحقيقية للدولة والمجتمع.
أما معركة “المغرب بسرعة واحدة”، فهي الاختبار الأخلاقي والسياسي الأكبر. لا يمكن بناء مغرب قوي ومتماسك بينما تستمر الهوة التنموية بين الجهات، وبين المدن الكبرى والعالم القروي، وبين مغرب الفرص ومغرب التهميش. التنمية الترابية ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، بل قضية سيادية مرتبطة بالاستقرار والعدالة الاجتماعية والثقة في الدولة. ومع ذلك، ما تزال أحزاب كثيرة تستثمر انتخابياً في الهشاشة بدل أن تحاربها، وتبحث عن الأصوات بدل أن تبحث عن الحلول.
المشكلة لم تعد فقط في ضعف الأحزاب، بل في انفصال جزء منها عن اللحظة الوطنية. الدولة تشتغل بمنطق استراتيجي واضح، والمغرب يتحرك وسط تحولات إقليمية ودولية معقدة، بينما الخطاب الحزبي في كثير من الأحيان يبدو أصغر من حجم التحديات. هناك أحزاب تتصرف وكأن أقصى طموح السياسة هو الظفر بعدد أكبر من المقاعد، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تنظيمات سياسية تصنع النخب والأفكار والبدائل، لا مجرد شبكات انتخابية تنتعش كلما اقترب موعد الاقتراع.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب دولة، لا أحزاب مناسبات. تحتاج إلى وعي وطني يضع مصلحة المغرب فوق الحسابات الضيقة، وإلى نخب قادرة على فهم التحولات الكبرى التي يعرفها العالم والدولة والمجتمع. لأن الأوطان لا تبنى بالشعارات ولا بالتوازنات الانتخابية الهشة، بل تبنى بقوة الرؤية وعمق الفكر وجرأة القرار.
وإذا استمرت الأحزاب في الدوران داخل الحلقة نفسها، منشغلة بالمقاعد أكثر من انشغالها بمصير البلد، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط في ضعفها السياسي، بل في تحولها إلى عبء على مرحلة تاريخية يحتاج فيها المغرب إلى كل طاقته الوطنية والسياسية والمؤسساتية لعبور واحد من أهم المنعطفات في تاريخه الحديث.
-دكتور في العلوم القانونية والسياسية
The post رهانات بحجم وطن.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.