رهانات الانتخابات التشريعية المقبلة
يمكن القول إن الانتخابات التشريعية المقبلة تأتي في سياق تحولات سياسية وسوسيو-اقتصادية غاية في الأهمية، كما تجري في ظرفية غير مسبوقة يعرف من خلالها العالم تحولات عميقة سيكون لها تأثير على حاضر ومستقبل كل دول المعمور بدون استثناء، كما أن الحكومة التي ستنبثق عن هذه الانتخابات ستكون مسؤولة عن تدبير ملفات استراتيجية كبرى على رأسها تثبيت مقومات الدولة الاجتماعية والحفاظ على الأمن الغذائي للمواطنين ومعالجة النقص في الخدمات الاجتماعية، وتنزيل الحكم الذاتي بالإضافة إلى تأهيل بنيات تنظيم مونديال 2030، وهو ما يفرض بالضرورة على الأحزاب السياسية ترشيح نخب واعية بحجم التحديات والرهانات السياسية والاستراتيجية للدولة المغربية.
وإذا كان البعض يصف الحكومة المقبلة بأنها “حكومة المونديال” أو “حكومة الحكم الذاتي” فأنا أميل في اتجاه تغليب الجانب الاجتماعي لارتباطه الوثيق بين التوصيفين السابقين من جهة، ولتأثيره العميق في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية بالبلاد؛ وهو المحدد الرئيسي لنجاح أو فشل الحكومة المقبلة، وأسميها “حكومة التحديات الاجتماعية”.
أقول إن نجاح الحكومة المقبلة لن يتم فقط من خلال التنظيم الجيد لمونديال 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ولن يكون فقط بالتنزيل الأمثل للحكم الذاتي، ولكن سيكون بالتوفيق في إرساء دعائم الدولة الاجتماعية والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية وتأمين الطاقة والغذاء ودعم القدرة الشرائية وخفض الأسعار؛ ولن يكون ذلك بالأمر الهين خاصة وأن إنجاز التجهيزات الكبرى وبنيات الاستقطاب الرياضي لاحتضان مونديال 2030 قد يعطل الخدمات الاجتماعية أو قد يكون على حساب البرامج الاجتماعية وخاصة في قطاعي التعليم والصحة، وهذا هو التحدي الحقيقي؛ ولنا في تجربة البرازيل سنة 2014 المثال الأوضح.
من هنا أقول إن الحكومة المقبلة يجب ألا تراهن على السرعة لتحقيق الإنجاز الكمي للبنيات والتجهيزات، ولكن يجب عليها أن تستثمر انخراطها الإيجابي في الإعداد للمونديال بسعيها للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتعزيز مكتسبات الدولة الاجتماعية وتحقيق نمو اقتصادي مهم.
وإذا كانت الأحزاب السياسية هي المطالبة من الناحية السياسية بالإجابة على كل الأسئلة المطروحة وطنيا وإقليميا وعالميا، وتسطير برنامج انتخابي يجيب على انتظارات المواطنين على جميع المستويات والأصعدة؛ وإذا كانت هذه الأحزاب من الناحية المؤسساتية مطالبة بضبط التحديات وتحديد سبل رفعها، وكسب الرهانات السياسية والاستراتيجية؛ وباعتبارها المسؤولة عن ترشيح نخبها وقياداتها للانتخابات، فهي بالضرورة المسؤول الأول عن قوة أو ضعف مجلس النواب والحكومة المقبلة معا.
ومن أجل المساءلة القبلية للأحزاب السياسية بالمغرب وهي تهم بولوج معركة انتخابات مجلس النواب أطرح ما يلي:
أولا: لا يمكن التغافل عن المطالب التي عرضها شباب جيل Z، وخاصة أولوية الصحة والتعليم في البرامج الحكومية وإعادة التوجيه الاستراتيجي لبوصلة الاقتصاد ومحاربة الفساد… ومن اللازم إعطاء الجواب الضروري خاصة أن المسافة الزمنية الفاصلة بين تلك الاحتجاجات وهذه الاستحقاقات كافية لبلورة تصور متكامل يحط الإجابات الشافية للأسئلة الحارقة التي تم طرحها.
ثانيا: الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتجديد نخبها وإدماج الشباب ودمقرطة الأجهزة التنظيمية وتحبين لوائحها الداخلية اعتبارا لشيخوخة قياداتها – بالمعنى السياسي وليس البيولوجي – وهي مطالبة كذلك بضخ دماء جديدة في الحياة السياسية من خلال تزكية المناضلات والمناضلين ومنح المشعل للكفاءات النضالية واستقطاب الكفاءات التي يزخر بها بلدنا بعيدا عن منطق البحث عن “مول الشكارة” وإعادة تزكية أبناء الأعيان والإقطاعيين الذين أضروا كثيرا بالممارسة السياسية وأفقدوا الانتخابات طعمها وأفرغوها من محتواها المجتمعي والوطني.
ثالثا: ترشيح الشباب يجب أن يكون العلامة الفارقة في هذه الاستحقاقات لعدة اعتبارات من جملتها التفاعل الإيجابي مع روح المبادرة الملكية لدعم ترشيح الشباب لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، ورفع نسب المشاركة السياسية وتقليص نسب العزوف السياسي خاصة في صفوف الشباب.
رابعا: تخليق الحياة السياسية كقيمة مجتمعية وسياسية ورافعة للديمقراطية الحقيقية هو الطريق نحو بناء مغرب جديد وقوي، فيتجسد احترام القانون وتترسخ المصداقية، وتتقوى مؤسسات الدولة وتتعزز بنخب مسؤولة واعية تحظى بالشرعية الانتدابية. ولن يتأتى ذلك سوى بمنع المال الحرام ومحاصرة المفسدين ومنع ترشيح من ارتبطت أسماؤهم بالفساد والاتجار في المخدرات…
لكن ما نتابعه من تسريبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي هنا وهناك يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأحزاب السياسية ما زالت غير مقتنعة بالتغيير، وترفض الانخراط في تجديد النخب وفسح المجال للكفاءات التي يزخر بها وطننا في كل المجالات، وما تزال مصرة على الاشتغال بنفس النهج ونفس القناعات.. في ظل تزايد الوعي الشعبي ودقة المرحلة ووجود فرص حقيقية لمغرب جديد، ووجود تحديات لا يمكن أن يرفعها مطلقا برلمانيون يملؤون المقاعد، ولكن ترفعها نخب تصنع القرار.