"رمال مرزوكة" تفتح النقاش بخصوص الملكية العرفية والتنمية المحلية

الغبار يتصاعد من تحت الأقدام، عبارة “ارحل” تختلط بزغاريد النساء، وفي الأفق كثبان “عرق الشبي” تقف شامخة كشاهد على معركة جديدة بدأت للتو، لم تكن معركة بالسلاح، بل معركة أوراق ومحاضر، معركة بين ساكنة تقول “هذه أرضنا منذ قرون” وقطاع عمومي جاء ليقول “ملكي أكتريه لكم”.

منذ الأربعاء ما قبل الماضي، لم تتوقف تحركات ساكنة مرزوكة والطاوس الغاضبة من قرار قطاع المياه والغابات الرامي لتحفيظ مساحات كبيرة من رمال المنطقة لفائدة القطاع، وهو ما واجهته الساكنة تزامنا مع وصول لجنة التحفيظ العقاري إلى المنطقة، حيث انفجر الغضب واشتد الاحتجاج وعلا المطلب الوحيد: “الوقف الفوري لمسطرة تحفيظ 14 ألف هكتار من رمال مرزوكة”.

لغة اللافتات كانت مباشرة: “لا لبيع رمال مرزوكة”، “رمالنا ليست للكراء”، خلفها يقف رجال ونساء وأطفال يرون في هذه المسطرة بداية النهاية، نهاية نمط عيش، ونهاية مصدر رزق، ونهاية انتماء.

هنا وسط رمال مرزوكة والطاوس والخملية وعرق الشبي وغيرها، يقف أهل المنطقة بوجوه متعبة لفحتها الشمس والريح، وأياد متشققة اعتادت حبل الدليل السياحي وصناعة الخيام؛ لم يكونوا هنا ليحتجوا على قرار إداري فقط، بل ليدافعوا عن قصة عمرها أجيال، عن أرض ورثوها عن الآباء ولم يوقعوا يوما على عقد يثبت ملكيتهم لها، لأنهم ببساطة لم يتخيلوا أن أحدا سيطالبهم بدليل على أنهم أهل الدار.

“يريدون تحفيظ الرمال باسم المياه والغابات والدولة، لكي يؤجروها بعد ذلك للوبيات”، يقول أحمد أوصالح، من أبناء المنطقة، وهو يشير بيده نحو الكثبان الرملية، مضيفا وصوته يعلو فوق الضجيج: “كان عليهم أن يبدؤوا بالحوار، ويجلسوا معنا. نحن الذين نعرف هذه الأرض وهذه الرمال حبة حبة، لا أن يأتوا بلجنة ويفرضون الأمر الواقع”.

وتابع أوصالح بنبرة حادة خلال حديثه لهسبريس: “المقاربة التشاركية هي الحل الوحيد، وإذا بقوا بعيدين عنا فسيزداد التوتر بيننا جميعا، نحن لسنا ضد القانون، نحن ضد الإقصاء”، مشيرا إلى أن القطاع العمومي الذي أراد اليوم تحفيظ رمال مرزوكة لم يأخذ رأي الساكنة المحلية التي تستغلها لقرون من الزمن، موردا بسخرية سوداء: “الساكنة بدورها تطالب بتعويضها بأراض استثمارية في وسط الرباط، والبحر، والشمال للقيام بمشاريع سياحية”.

وقالت نعمية بدراوي، من ساكنة مركز مرزوكة: “يتحدثون عن التحفيظ وعندنا دواوير غارقة في الغبار. مركز مرزوكة، وحاسي الأبيض، وتغمرت، وتاقوجت، وتاناموست، والخملية… أين هي التهيئة؟ أين هو التبليط؟ العالم كله يأتي ليتصور هنا ونحن نعيش في الأتربة”.

وقال محند مسعف، شاب ثلاثيني يعمل مرشدا سياحيا: “هذه الخطوة غير قانونية، لأن هذه الرمال هي مصدر رزقنا، هي التي نطعم بها أبناءنا. وإذا تم تحفيظها باسم المياه والغابات، سنصبح عمالا عند أناس آخرين في أرضنا”.

وخاطب علي كراوي، البالغ من العمر سبعين عاما قضاه فوق هذه الرمال، مسؤولي المياه والغابات قائلا: “جئتم لتسلبوا أرض الأجداد؟ أعطونا منزلا في الرباط ثم لنتحدث، وإلا فنحن باقون هنا”، وختم حديثه محذرا: “لا تؤججوا الوضع، استقرار المنطقة كله بناه أهلها الذين قضوا سنوات وهم يشيدونها حجرا حجرا”.

ويرى عدد من أبناء المنطقة ومعهم المؤازرون أن خطورة مسطرة التحفيظ التي باشرتها إدارة المياه والغابات لا تكمن فقط في نقل ملكية 14 ألف هكتار من الكثبان إلى سجل الدولة، بل في ما يترتب عن ذلك من تجريد السكان من حق الاستغلال العرفي الذي ضمن بقاءهم لقرون، مؤكدين أنه بمجرد إتمام التحفيظ، تصبح أي حركة أو مشروع أو حتى خيمة سياحية مشروطة برخصة وتأجير، ما يحول أبناء المنطقة من أصحاب حق تاريخي إلى مستأجرين مؤقتين فوق أرض آبائهم.

ويحذر الفاعلون المحليون من أن المضي قدما في هذا المسار سيفتح الباب أمام لوبيات العقار والسياحة للاستحواذ على المجال، بينما سيجد أبناء المنطقة أنفسهم خارج معادلة التنمية، ويعتبرون أن هذا الإجراء لا يهدد الرزق فقط، بل يضرب في العمق النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية المرتبطة بالواحة والكثبان، ويكرس شعورا عاما بالتهميش والإقصاء.

وفي ظل هذا الاحتقان، لوحت الساكنة بخيار التصعيد الأقصى، فالأصوات داخل الخيام ومراكز الطاوس ومرزوكة وغيرها لم تعد تقتصر على الاحتجاج، بل وصلت إلى التلويح بالرحيل الجماعي في حال تم تنفيذ التحفيظ، حيث إن لازمة “نموت ولا نخرج منها” لم تعد مجرد شعارات شفوية وعلى اللافتات، بل تحولت إلى إعلان نية بالاعتصام المفتوح فوق الرمال حتى لو كلفهم ذلك كل شيء، في رسالة مفادها أن الأرض بالنسبة لهم ليست عقارا قابلا للبيع أو الكراء، بل هي “الوطن الأخير الذي لا وطن بعده”، حسب تعبير العديد من المهنيين أصحاب المخيمات.

The post "رمال مرزوكة" تفتح النقاش بخصوص الملكية العرفية والتنمية المحلية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress