رقصة نيتشه
لا تتورّع الغالبيّة العظمى من الزعماء اللبنانيّين عن خيانة "لبنان الدولة"، وتدمير ما بقي منه، والتلويح بتقسيم جيشه، والتهديد بحربٍ أهليّةٍ مستجدّة، والمساهمة في تأجيج عصبيّاتها ونيرانها، من أجل تأبيد وجودها، والحفاظ على مصالحها، ومنع الإصلاح الجذريّ، ووأد أموال المودعين، وإبادة التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بل من أجل الفوز بتعيين مديرٍ عامّ وسفيرٍ، أو الحصول على صفقةٍ ورشوةٍ كبيرتَين، وكيسٍ من إسمنت، والتسبّب بجريمةٍ بيئيّةٍ رجيمة، تأكيدًا لاستمرار عضويّتهم الراسخة في "دولة الفساد اللبنانيّة العميقة".
ما أكثر هؤلاء، ولا يرفّ لأحدهم جفنٌ من تبكيتٍ وعذابِ ضمير، في لحظةٍ وجوديّةٍ مفارِقة، لم يسبق لخطورتها الكيانيّة والمصيريّة مثيلٌ في تاريخ لبنان الحديث. فالزمنُ زمنُ كيانٍ مهدّدٍ فعليًّا ونهائيًّا بالحذف من الجغرافيا السياسيّة للمنطقة. وها هم يعربدون ويرقصون ويشربون الدمّ. إنّهم، نعم، يرقصون ويشربون الدم ويعربدون.
في زمن المونديال هذا، كان أندره يلاقيني لحضور المباريات، ومصطفى يلاقيني من أجل الغاية نفسها. غاب أندره البهيّ في موته المأسويّ المبكر، وامتنع مصطفى المطعون في جبله العامليّ وأرضه وأهله وأحبابه عن الاهتمام بالمونديال، منكفئًا على أعطابه الروحيّة. يا لها من أعطاب.
بقيتَ أنتَ، يا سيّد نيتشه، تدعوني إلى الرقص. وها أنا أرقص، لكنْ رقصةَ الذبيح فوق مقبرةٍ عموميّة.