رغم الخسائر... كيف تبني إيران سردية "الانتصار"؟
في وقت تتحدث فيه واشنطن ووسطاء إقليميون عن اقتراب التوصل إلى تفاهم موقت يخفف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت طهران التمهيد داخلياً لرواية "الصمود والانتصار"، عبر خطاب رمزي يوحي بأن الحرب انتهت من دون كسر النظام الإيراني أو انتزاع تنازلات استراتيجية منه.
وبرغم التزام طهران الصمت حيال تفاصيل المفاوضات، يرى محللون أن القيادة الإيرانية تمتلك هامشاً واسعاً لتسويق أي تفاهم باعتباره انتصاراً سياسياً، خصوصاً مع تراجع الخطاب الأميركي عن مطلب "الاستسلام غير المشروط" والعودة إلى منطق التسوية، وفق ما أشارت إليه "نيويورك تايمز".
كيف تنظر إيران إلى نتائج الحرب؟
يقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس الياس لـ"النهار" إن إيران، رغم الخسائر العسكرية والاقتصادية الكبيرة التي تكبّدتها خلال الحرب، لا تقيس نتائج المواجهة بمنطق الخسائر المادية فقط، بل بمنطق "بقاء النظام" وقدرته على فرض نفسه طرفاً لا يمكن تجاوزه إقليمياً ودولياً.

ويشير إلى أن طهران تسعى إلى تقديم أيّ اتفاق محتمل مع واشنطن بوصفه "انتصاراً استراتيجياً"، انطلاقاً من أن انتقال الولايات المتحدة من خيار الحرب إلى خيار التفاوض يعني، وفق السردية الإيرانية، أن القوة العسكرية لم تنجح في كسر الإرادة السياسية للنظام.
ويضيف أن قبول واشنطن بالتفاوض بعد الحرب "يمنح إيران مساحة واسعة لتسويق نفسها داخلياً وإقليمياً باعتبارها دولة صمدت أمام أقسى الضغوط وأجبرت خصومها في النهاية على العودة إلى طاولة التفاهم". فالدولة التي كان يُراد دفعها إلى الانهيار أو الاستسلام الكامل أصبحت شريكاً في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وهي نقطة ستسعى طهران إلى استثمارها سياسياً ورمزياً إلى أقصى حدّ.
لكن الياس يؤكد أن ذلك "لا يعني بالضرورة تحقيق إيران انتصاراً استراتيجياً كاملاً"، موضحاً أن واشنطن "لا تتفاوض اعترافاً بتفوّق إيران، بل لأنها تدرك أن كلفة إسقاط النظام أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة قد تكون أعلى من كلفة احتوائه وإدارته".
ويختم بالقول إن طهران نجحت حتى الآن في منع الحرب من التحوّل إلى "لحظة كسر تاريخية" للنظام، وفرضت نفسها طرفاً لا يمكن استبعاده من أيّ معادلة إقليمية مقبلة، إلا أن تحويل هذا الصمود إلى "انتصار استراتيجي دائم" سيبقى مرتبطاً بما قد تخسره أو تكسبه على طاولة التفاوض.
ما مفهوم "النصر"؟
ويقول مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر، لـ"النهار"، إن مفهوم "النصر" في السياقين العربي والإقليمي تاريخياً لا يُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بالقدرة على الاستمرار بعد الحرب، وهو ما برز في تجارب سابقة مثل الحرب العراقية - الإيرانية، حيث أعلن كل طرف انتصاره رغم الدمار الكبير الذي لحق بالبلدين.
وفي هذا الإطار، يرى أن إيران تتعامل مع أيّ مواجهة بمنطق مشابه، إذ تسعى إلى تقديم نفسها كمنتصر حتى في ظل خسائر كبيرة، خصوصاً على مستوى القيادة والبنية التحتية، انطلاقاً من تعريف للنصر "يقوم على البقاء لا على الحسم العسكري".
ويضيف أن هذا التصوّر يرتبط بطبيعة المشروع الإيراني الذي لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى شبكة من الحلفاء والأنصار في المنطقة وخارجها، ما يجعل أيّ استسلام أو انهيار للنظام بمثابة انهيار لمنظومة أوسع، لا فقط للدولة الإيرانية نفسها.