رسمة من عام 1913 على شاطئ بيروت... قبل أن يولد لبنان كان الحويك هناك
كان البحر هادئاً، وكانت بيروت تبدو مدينة مطمئنة إلى نفسها، لا حرب في الأفق، ولا مجاعة، ولا حدود ترسم على خرائط الشرق. كان ذلك عام 1913، ولم يكن أحد يدري أن العالم يقف على بعد أشهر قليلة من حرب ستطيح أمبراطوريات، وترسم أوطاناً جديدة، وتفتح أبواب المجاعة على جبل لبنان.
في تلك اللحظة الهادئة، وقف رجل يرتدي ثوبه البطريركي الأحمر على شاطئ بيروت. لم يكن يخطب، ولم يكن يفاوض. كان ينظر إلى البحر، وربما كان البحر وحده يعرف أن هذا الرجل سيصبح بعد سنوات قليلة أحد صناع لبنان الحديث.
بعد أكثر من قرن، أعلنت الكنيسة المارونية من الديمان وفي احتفال ديني كبير، تطويب البطريرك الياس الحويك. الاحتفال كان مناسبة لاستعادة صفحة كبيرة من تاريخ لبنان، وقد يكون أجمل ما أعادته هذه المناسبة إلى الضوء، رسمة نادرة للبطريرك الحويك تعود إلى العام 1913.
ليست صورة فوتوغرافية، وليست لوحة رسمت بعد قيام لبنان، إنها رسمة سبقت الحرب العالمية الأولى، وسبقت المجاعة الكبرى، وسبقت ولادة دولة لبنان الكبير، لهذا تبدو اليوم أقرب إلى وثيقة تاريخية منها الى عمل فني.

للرسمة حكاية لا تقل جمالا عنها، فهي لم تبق حبيسة من رسمها بعدما نشرتها المجلة الكاثوليكية الفرنسية "Le Pèlerin" في عددها الصادر في الثلاثين من تشرين الثاني/أكتوبر 1913، وكان نشرها في حد ذاته رسالة، فالصحافة الفرنسية لم تكن تهتم كثيراً بشخصيات المشرق، إلا عندما ترى فيها ما يتجاوز حدود المكان، وكان الحويك يومها قد أصبح واحداً من تلك الشخصيات، مع أنه لم يكن قد ذهب بعد إلى مؤتمر الصلح حاملاً قضية لبنان، لكن فرنسا كانت تعرفه وتحترمه، حد أنّ البحرية الفرنسية وجهت إليه دعوة خاصة للصعود إلى متن إحدى بوارجها الحربية التي كانت راسية قبالة مرفأ بيروت.
لم يكن البطريرك مسافراً إلى أي مكان، بل انتقل إلى هذه البارجة من أجل التكريم وحده، وهناك أبحرت البارجة به قليلاً أمام بقية القطع الحربية الفرنسية التي أدت له التحية العسكرية.
هذا النوع من التكريم لم يكن يمنح إلّا لشخصية ترى فيها فرنسا مرجعية وصوتاً يحظى بالاحترام والثقة. ذلك كله قبل أن يحمل الحويك ملف لبنان إلى فرساي، وقبل أن يصبح أحد أبرز الآباء المؤسسين للبنان الكبير.
وعندما وقف في باريس عام 1919 كانت فرنسا تعرفه منذ سنوات. بعد أشهر قليلة من إنجاز الرسمة ونشرها، اندلعت الحرب العالمية الأولى، أقفلت البحار واجتاحت المجاعة جبل لبنان ومات عشرات الآلاف، وفي تلك السنوات لم يعد الحويك مجرد بطريرك، بل صار ملجأ للناس، وصار همه الأول إنقاذهم من المجاعة واستجلاب المساعدات، والدفاع عن بقاء مجتمع كامل مهدد بالموت. وعندما انتهت الحرب، حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح مطالباً بوطن.
لعل أجمل ما في الرسمة، أنها التقطت لرجل قبل أن يصنعه التاريخ. لا نرى فيها الزعيم الذي عاد من فرساي، ولا البطريرك الذي أشرف على إعلان لبنان الكبير. فقد بدا هادئاً متواضعاً محاطاً بعدد من الضباط البحارة الفرنسيين، كأن الزمن من حوله لم يبدأ بعد. لكن الزمن بدأ، وغيّر كلّ شيء.
اليوم، كلما وقعت العين على تلك الرسمة، لا يبدو البطريرك هو وحده الذي يقف أمام البحر، بل يبدو لبنان كله واقفا هناك ولم يكن قد ولد بعد، لكن أحد رجاله الكبار كان ينتظره.