رسالة مجتبى خامنئي تعمّق الانقسام في إيران... الانتقام أم التفاوض؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

دخلت إيران مرحلة سياسية أكثر تعقيداً بعد انتهاء مراسم تشييع ودفن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، في ظل تصاعد السجال الداخلي بين التيار الداعي إلى الرد على اغتياله، والتيار المؤيد لاستكمال المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة. وجاءت رسالة المرشد الجديد مجتبى خامنئي التي شددت على ضرورة "الانتقام" من المسؤولين عن مقتل والده، لتدفع هذا الانقسام إلى الواجهة، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري في مضيق هرمز وجنوب البلاد.

 

شعارات التشييع تتحول إلى مواجهة سياسية

 

شهد أسبوع التشييع حضوراً واسعاً لشعارات دعت إلى "الثأر" لخامنئي، ورفعت خلاله أعداد كبيرة من الأعلام التي حملت عبارة "يا لثارات خامنئي". ومع انتهاء المراسم، انتقلت هذه الشعارات من الساحات إلى المشهد السياسي الداخلي.

وبدأ التصعيد مساء الخميس، خلال مراسم الدفن في مشهد، حين هتفت مجموعات من المشاركين بشعارات مناهضة لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، متهمة إياهما بالتساهل مع خيار التفاوض.

وتوسع الجدل الجمعة، بعدما وصف السيد علي الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، خلال كلمة ألقاها في قم في مجلس تأبين لخامنئي، الساعين إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بهدف الوصول إلى تسوية أو مصالحة بأنهم "خونة".

وأثارت هذه التصريحات تفاعلاً واسعاً داخل إيران وعلى منصات التواصل الاجتماعي، مع تصاعد حملات متبادلة بين أنصار التفاوض ومؤيدي التصعيد العسكري.

 

دعوات للانتقام من الرئيس الأميركي خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في طهران. (أ ف ب)

 

رسالة مجتبى خامنئي

 

بلغت الأزمة ذروتها مع تداول رسالة مكتوبة نُسبت إلى مجتبى خامنئي، أكد فيها أن الانتقام لدم والده ودماء جميع قتلى الحربين الأخيرتين من "القتلة المجرمين وفاقدي الشرف" يمثل مطلباً للشعب الإيراني، وأنه لا بد من تحقيقه.

وأشار إلى أن "قائمة الأشخاص الذين يجب الانتقام منهم موجودة من الأعلى إلى الأسفل"، محذراً من أنهم سيحملون معهم إلى القبر أحلامهم بـ"الموت الهادئ في الفراش". وأكد أن الانتقام لا يتوقف على وجود المرشد أو المسؤولين الآخرين في إيران، بل إن "أحراراً من مختلف أنحاء العالم" سينفذون هذه المهمة.

وأعادت هذه الرسالة إلى الأذهان فتوى الخميني ضد سلمان رشدي، كاتب رواية "آيات شيطانية" في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، والتي أبقته لسنوات طويلة تحت حماية أمنية مشددة، وعرّضته لمحاولات اغتيال عدة.

 

سيدة ترفع صورة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي خلال مراسم تشييع والده في طهران. (أ ف ب)

 

الحرب أم التفاوض؟

 

أعادت هذه التطورات طرح سؤال أساسي داخل إيران: هل يقود تصاعد الخطاب السياسي والتوترات العسكرية إلى استئناف الحرب مع الولايات المتحدة، أم أن المفاوضات ستبقى الخيار المفضل لدى مؤسسات الدولة؟

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع الجمع بين خطاب يدعو إلى الانتقام من المسؤولين الأميركيين، واستمرار الحديث في المقابل عن إمكان استكمال الاتصالات السياسية بين طهران وواشنطن.


 

عائقان أمام التصعيد

 

ورغم الضغوط التي يمارسها التيار المتشدد لوقف أي مسار تفاوضي، تبدو هناك عوامل تحدّ من اندفاعة هذا التوجه.

يتمثل العامل الأول في المزاج العام داخل المجتمع الإيراني، إذ إن شريحة واسعة من الإيرانيين تعطي الأولوية لوقف الحرب وترسيخ الاستقرار، باعتباره شرطاً لتحسين الأوضاع الاقتصادية. وتُعرف هذه الشريحة في الأدبيات السياسية الإيرانية بـ"الأغلبية الصامتة"، وهي ترفض التدخل الخارجي، لكنها تفضل أيضاً معالجة الأزمات عبر المسارات السياسية وتجنب كلفة مواجهة عسكرية جديدة.

أما العامل الثاني، فيتمثل في دائرة صنع القرار الأساسية داخل النظام، التي تدرك التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد، ولا ترى مصلحة في الانزلاق إلى حرب جديدة، رغم تبنيها خطاباً متشدداً في مواجهة الولايات المتحدة.

ويضم هذا التوجه عدداً من كبار المسؤولين، بينهم قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، وحتى قادة عسكريون وأمنيون بارزون، بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، وقائد مقر خاتم الأنبياء علي عبد اللهي، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، يعتبرون أن إيران حققت مكاسب استراتيجية خلال الحرب الأخيرة، وأن الحفاظ عليها يتطلب تجنب استنزاف جديد.

وفي هذا السياق، يرى هؤلاء أن استمرار السيطرة الإيرانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز يمثّل ورقة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها، وعدم تعريضها لمخاطر تصعيد عسكري جديد.

وبذلك، ورغم تصاعد الخطاب الداعي إلى الانتقام بعد دفن خامنئي، لا يزال مسار التفاوض يحتفظ بأولوية عملية داخل مؤسسات القرار الإيرانية، وإن كان يواجه ضغوطاً متزايدة من التيار المتشدد، في وقت تبقى فيه أي تطورات ميدانية جديدة قادرة على إعادة خلط الحسابات السياسية والعسكرية.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية