رزية الخميس

لم يكن المرض الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة مرضَ الجسد وحده.

كان شيئًا أثقل من الحمى، وأعمق من الوجع الذي يفتك بالأعضاء.

فيثرب نفسها كانت مريضة.

وكان في الهواء قلقٌ خفي، كأن القلوب تشعر — قبل العقول — أن عهدًا يوشك أن ينقضي، وأن العالم الذي عاشه المسلمون منذ ثلاث وعشرين سنة يقف الآن على حافة مجهولة لا يعرف أحد ما الذي ينتظر الناس بعدها.

وفي تلك الأيام، صار البيت الذي تسكنه عائشة أشبه بمركز الكون كله.

الأقدام تدخل وتخرج في صمتٍ مضطرب، والوجوه يكسوها ذلك الذهول الذي يصيب البشر حين يرون القويّ يضعف أمام أعينهم للمرة الأولى.

فقد اعتاد الناس أن يروا محمدًا صلى الله عليه وسلم رجلًا إذا دخل مكانًا امتلأ يقينًا، وإذا تكلم سكنت القلوب، وإذا اشتدت الخطوب نظروا إليه فهدأت نفوسهم.

أما الآن…

فقد كان المرض قد أخذ منه مأخذًا ظاهرًا.

الحمى تشتد.

والتعب يثقل الجسد.

والمدينة كلها تنظر إلى باب الحجرة كأنها تنتظر من داخله جوابًا يطمئنها إلى أن النظام الذي عاشت في ظله لن ينهار فجأة.

في ذلك الخميس، قبل الوفاة بأيام قليلة، اجتمع في البيت عدد من كبار الصحابة.

وكان الجو مشحونًا بذلك الصمت الذي يسبق الكلمات الخطيرة.

فالناس في حضرة المرض يصبحون أكثر حساسية، وأكثر خوفًا من المعاني التي تخفيها العبارات.

وكان النبي مستلقيًا، يثقل المرض جسده، بينما الوجوه من حوله متعلقة به في قلق.

ثم قال:

“ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده.”

وكانت الجملة قصيرة.

لكنها وقعت في النفوس وقوع الصاعقة.

فالرجل الذي يوشك أن يغادر الدنيا يطلب أن يكتب شيئًا للأمة كلها.

وهنا بدأ الاضطراب.

لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي مرّ في القلوب في تلك اللحظة.

التاريخ لا يسجل الخوف كما يسجل الكلمات.

لكنه يتركه مختبئًا بين السطور.

بعض الحاضرين أراد أن يُحضِر الكتف والدواة فورًا.

كان في نفوسهم شعور بأن ما سيُكتب قد يكون آخر عهد السماء بالأرض.

وبعضهم الآخر رأى أن المرض قد اشتد، وأن النبي يتألم، وأن القرآن بين أيدي الناس، وأن الأمة ليست في حاجة إلى إثقال الرجل في تلك الحال.

وهنا قال عمر بن الخطاب عبارته التي ستظل تتردد في ذاكرة المسلمين قرونًا طويلة:

“إن النبي غلبه الوجع، وعندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله.”

ثم ارتفعت الأصوات.

وهنا تبدأ المأساة.

لا لأن الناس اختلفوا فقط…

بل لأن الاختلاف وقع للمرة الأولى في حضرة النبي نفسه، وفي لحظة كان الجميع يشعر فيها أن الزمن يوشك أن ينكسر.

وكان ابن عباس، بعد أعوام طويلة، إذا تذكر ذلك اليوم بكى وقال:

“الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.”

ولم يكن بكاؤه بكاء رجل يروي حادثة عابرة، بل بكاء إنسان ظل يشعر حتى آخر عمره أن شيئًا كبيرًا ضاع في تلك الساعات.

أما النبي، فقد رأى الاختلاف يعلو، والأصوات تتداخل، فقال:

“قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع.”

فسكت الناس.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمت الطمأنينة.

بل صمت الحيرة.

وخرج بعضهم من البيت وفي نفسه سؤال لن يجد له جوابًا أبدًا:

ماذا كان يريد أن يكتب؟

وهنا يبدأ التاريخ الطويل للتأويل.

فالشيعة رأوا أن النبي أراد أن يحسم أمر الخلافة لعلي بن أبي طالب، وأن ما جرى حال دون كتابة النص الأخير.

أما السنة، فرأوا أن عمر لم يقصد الاعتراض على النبي، وإنما خشي أن يشتد عليه الوجع، وأن الدين قد اكتمل أصلًا بالقرآن.

وبين الرؤيتين بقيت الحادثة معلقة في منتصف الطريق بين السياسة والمقدس.

لكن المؤكد أن تلك اللحظة كشفت شيئًا خطيرًا:

أن سؤال المستقبل بدأ يدخل الغرفة قبل وفاة النبي نفسها.

كان الجميع يحب محمدًا.

هذه حقيقة لا يغيّرها الجدل.

لكن الحب وحده لا يمنع الخوف.

فالرجال الذين التفوا حول الفراش لم يكونوا ملائكة، بل بشرًا يحمل كلٌّ منهم رؤيته، وخوفه، وطريقته في فهم النجاة.

وعمر، على شدته، لم يكن يومئذٍ رجلًا يتحدى النبوة كما سيصوره الغلاة بعد قرون.

بل كان رجل دولة يرى — ربما بغريزة حادة — أن الأمة تقف على حافة فراغ مرعب، وأن أي كلمة تُكتب في تلك اللحظة قد تتحول بعد الوفاة إلى نار لا تنطفئ.

أما ابن عباس، فظل يرى أن عدم كتابة الكتاب كان الخسارة الكبرى.

وهكذا بقيت “رزية الخميس” جرحًا مفتوحًا في الوعي الإسلامي: لا أحد يملك تفسيره كاملًا، ولا أحد استطاع نسيانه.

والحق أن المأساة لم تكن في الورقة التي لم تُكتب وحدها.

بل في شيء أعمق.

فالمسلمون، لأول مرة، بدأوا يشعرون أن النبي ليس خالدًا بينهم، وأنهم سيضطرون قريبًا إلى مواجهة العالم وحدهم، بلا وحيٍ جديد، وبلا صوت يأتيهم من السماء ليحسم النزاع إذا اختلفوا.

وكان ذلك شعورًا مرعبًا.

فالناس يطمئنون ما دام بينهم من يملك الكلمة الأخيرة.

أما إذا اقترب الغياب…

بدأت الأسئلة التي كانت نائمة تستيقظ دفعة واحدة.

في تلك الليلة، لم تكن المدينة تعلم أن الساعات المقبلة ستدفعها إلى أخطر منعطف في تاريخها كله.

فالرجل الذي جمع القبائل حول كلمة واحدة يوشك أن يرحل.

والقلوب التي عاشت طويلًا في ظل النبوة ستجد نفسها فجأة في مواجهة السياسة.

ومن هنا تبدأ الفتنة.

The post رزية الخميس appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress