رحيل لا يطفئ الأثر .. عبد الغني أبو العزم يسكن "ذاكرة العربية"
حين يرحل بعض العُلماء يُسمع في الأرجاء انكسارٌ خفيّ في هيبة المعنى، كأن اللّغة نفسها قد أطبقت دفاترها قليلًا، وحدّقت في الغياب غير مُصدّقة. ذلك أن عبد الغني أبو العزم الذي رحلَ عنّا إلى دار البقاء فجر يوم الأربعاء 18 مارس 2026 لم يكن اسمًا يُضاف إلى سجلّ العلماء، كان صفحةً مُضيئة من يقظة العربية وهي تدافع عن ذاكرتها في وجه التّآكُل، وعن مستقبلها في وجه العَطب.
كان من أولئك الذين لا يكتُبون بالحبر وحْده، وإنما يكتُبون بما يختزن العقل من صبر، وما يختزن القلب من وفاء، وما تختزن الأمم من حاجة إلى علماء يرمّمون خرائب الروح بالحرف، ويشيّدون من المعجم وطنًا ثانيًا لا تسقط حدوده ولا تنطفئ قناديله. فإذا ذكرناه اليوم، فإنما نذكر أستاذا باحثا لم يعش بجوار اللغة، وإنما عاش فيها، وأقام بين مفرداتها، يعرف مداخلها الخفيّة، ويحنُو على ظلالها، ويوقظ من صمتها ما يجعلها أقدر على البقاء من النسيان نفسه.
ليس الراحلون سواء؛ فمنهم من يمرّ في الحياة مرور الظلّ، فإذا غاب لم يترك خلفه إلا فراغَ مكان، ومنهم مَنْ إذا رحل أحسّت اللغة نفسها أنها ثكلت واحدًا من أوفى حُرّاسها. وعبد الغني أبو العزم من هذا الطراز النادر؛ رجلٌ لم يسكن العربية قارئًا أو دارسًا فحسب، سكنها عاشقًا وبانيًا وحارسًا لذاكرتها العميقة. كان إذا اقترب من الكلمة أنصت إلى تاريخها، وإذا أمسك اللّفظة أضاء ما فيها من خبايا، حتى بدا كأنه يرمِّم بيت اللّغة حجرًا حجرًا، ويعيد إلى الحرف العربي هيبته في زمن التّبدد والنّسيان.
عبد الغنيّ؛ ها أنا أكتب إليكَ مُسْرعًا، كأن بيني وبين رحيلك سِبَاقًا أخيرًا، وكأن عليّ أن أدسّ هذه الكلمات في كفّ الغياب قبل أن يغلق بابه. لم أمهل حزني وقتًا ليرتّب نفسه، لأنك تمضي أسرع من العبارة، ولأن القلب، حين يفجعه الكبار، لا يحسن إلا أن يناديهم بما تبقّى فيه من رجفة ووفاء. فخُذْها إذن كما هي: كلمات غير مصقولة بالرَّوية، لكنها مشبعة بصدق الفَقْد، مُبللة بذلك الأسى الذي لا يعرف البلاغة بقدر ما يعرف الحُرقة. لعلها تلحقك هناك، وتهمس لك قبل أن تعلو أكثر: إن الذين خدموا اللغة حتى صارت بعضًا من أرواحهم، لا يرحلون حقًا، وإنما يتركون في الأرض نبضًا من نُور، كلما ظنناه خَبا، عاد يتوهّج في اسمهم.
ويَنحني المعجم حدادًا عليكَ
بكلّ أسًى، وصلني نَعيُكَ؛ أنت الذي لم يكن يمرّ في اللغة مُرور العابرين، بقدر ما كان يدخلها كما يدخل العارف محرابَه: بخشوع العالم، وبصيرة المفكّر، ويد الصائغ الذي يعرف كيف يلتقط من الحروف جوهرها، ومن الكلمات أرواحها، ومن المعجم ذاكرة أمة كاملة.
كنتَ من أولئك النّادرين الذين يهبون اللغة أعمارهم حتى تصبح أعمالهم امتدادًا لصوتها، ويغدو اسمهم جزءًا من تاريخها الحيّ. مشيتَ في دروب الفكر الإسلامي، ونهلتَ من السوربون، ثم عدت لتعمّق مشروعك العلمي في المعجميات بجامعة الحسن الثاني، كأنما كنتَ تعدّ نفسك منذ البدء لمهمة أكبر من التأليف والتدريس: مهمة الإنصات العميق للغة، وهي تتغيَّر، وتتجدَّد، وتُقاوم النّسيان. لم تكن مجرد أكاديمي يُتقن البحث، ولا مُجرد لغويّ يُحسن التصنيف والضبط، كنتَ بنّاءً من طراز رفيع، تبني بالعقل ما تعجز عنه الجُدران، وتشيّد في صمت المختبر وهدوء المكتب صروحًا من المعاني تبقى بعد انطفاء الأجساد. وحين نذكر “معجم الغني” فإننا نذكر أثرًا يشهد على عقل استثنائي رأى في المعجم أكثر من سجلّ للألفاظ؛ رأيتهُ مرآةً لنبض الأمة، وخريطةً لوعيها، وأداةً لحماية ذاكرتها من التّبدد في زمن السّرعة والتشظّي.
كان أبو العزم فسيح الأفق على نحو يندُر اجتماعه في رجل واحد: يتقنُ المعجم، ويُعانق الرّواية، ويمارس الترجمة، ويحقق التراث، ويفتح نوافذ الفكر على الثقافة والمجتمع والسياسة. كان يؤمن أن اللغة لا تعيش في الكتب وحدها، وإنما في الناس، في تاريخهم، في صراعاتهم، في أسئلتهم الكبرى، وفي أحلامهم المؤجلة. لذلك جاءت أعماله شاهدة على هذا الاتساع: من التحليل الإحصائي للنصوص الأدبية، إلى المعجم المدرسي، إلى تصريف الأفعال، إلى تحقيق التراث، إلى ترجمة صفحات بالغة الحساسية من تاريخ المغرب الثقافي، إلى السرد الذي يفتش في الظلال والضريح والبيت القديم عن الإنسان في هشاشته وسرّه وحنينه.
لم يَطلب في مسيرته العلمية مَجدًا شخصيًا، ولم يلهث وراء الأضواء، لأنه آمن بأن المعرفة إذا لم تجد مؤسسات تحتضنها وتُرسّخها ابتلعها النّسيان. لذلك قاد وحدات البحث، وترأس مراكز التواصل الثقافي، وأسّس مع آخرين مساراتٍ معجمية جعلت الاشتغال على اللغة عملًا جماعيًا تتكامل فيه الجهود، لا جهدًا فرديًا عابرًا. كان يدرك أن العالِم الحقّ لا يكتفي بأن يخلّف كتبًا تُقرأ، وإنما ذاك الذي يحرص على أن يترك أثرًا يمتدّ، وتلامذةً يحملون المشعل، ومسارًا واضح المعالم يتابع القادمون من بعده السَّير فيه. واليوم، مع رحيل عبد الغني أبو العزم، تخبو شعلة من معدن نادر، من تلك الشُّعل التي تضيء وتهدي إلى الطريق. نعم، نفقد اليوم قامة علمية وثقافية كبيرة، لكننا لا نفقدُ حضورها العميق، لأن من يكتبون أسماءهم في صميم اللغة لا يبْتَلعُهم الغياب… إنما يواصلون البقاء في كُتبهم، وفي أفكارهم، وفي تلامذتهم، وفي كل لفْظة قوَّموها، وفي كل معنى صَانُوه من النسيان.
الغياب الذي أوْجَع الحَرْف
ها هو عبد الغني أبو العزم يمْضي. ولكن، أيُّ رحيلٍ هذا الذي يترك خلفه كلَّ هذا الحُضور؟ كأن الموت، وهو يطوي الجسد، عجز أن يطوي الأثر، فعبرَتْ روحه إلى الخُلود من أوسع أبوابه: باب العلم وقد صدَق، وباب اللغة وقد خدمها بوَفاء، وباب الثقافة وقد حملها بعشق نادر لا يتكرر كثيرًا. سيغيبُ الوجه، لكن صوته سيظل خافتًا وعميقًا بين صفحات معاجمه، وخطاه ستبقى في الدُّروب التي فتحها للدارسين والباحثين والعاشقين للعربية.
يُغيِّبُ الترابُ الأجسادَ، لكنّه يعجزُ عن أن يغيّب رجالًا من قامة عبد الغني أبو العزم؛ لأنهم، في النهاية، يصيرون مَعنى… والمَعْنى الكبير أبْقَى من الموت.
The post رحيل لا يطفئ الأثر .. عبد الغني أبو العزم يسكن "ذاكرة العربية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.