رحيل الفيلسوف "هابرماس" .. سليل الإرث العقلاني النقدي الألماني الزاخر

فارق كبير بين الدعوة إلى العقلانية واحترام قيم الحرية والعدالة وبين الحرص الدائم على الالتزام بمقتضياتها؛ فقد يسقط المفكر العقلاني في مطبّ مواقف تهدم ادعاءاته في التعقُّل، وفي لحظة انحراف تجعله يتنكر لما يجهر به من مبادئ؛ وليست هذه الحالات قليلة في الفكر الفلسفي المعاصر. ومنهم على سبيل التمثيل لا الحصر ميشال فوكو ويورغن هابرماس حيث تعطلت لديهما ملكة النقد عندما تعلق الأمر بتراجيديا الشعب الفلسطيني وانخرطا إما بالسكوت عن-أو تبرير الوحشية الذي يقترفها الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، وفي الدفاع شبه الهستيري في حالة هابرماس والملتبس بخصوص فوكو، “عن حق إسرائيل في الوجود”، حتى ولو مارست القتل والتهجير والإهانة والإبادة.

حصل ذلك مع ميشال فوكو سنة 1975 لما عبَّر عن معارضته لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهير (3379)، الذي اعتبر “الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”، وهو ما يعاكس مواقفه الأخرى التي تتعلق بحقوق الأقليات والمستضعفين. أما زميله جيل دولوز فقد اتخذ موقفا سياسيا وأخلاقيا أزعج به كتيبة المُتفلسفة في فرنسا الذين يتجندون للدفاع عن إسرائيل وتبرير وحشيتها كلما ارتكبت جرائم فاضحة ضد الإنسانية. بل إن دولوز لم يتوقف عن التنديد بسياسات الشر التي تنهجها “الصهيونية” ضد الشعب الفلسطيني، وكتب أكثر من مقال في هذا الاتجاه، والتقى إلياس صنبر (المثقف والديبلوماسي الفلسطيني) بفضل صديقه فيليكس غواتاري، حيث ساعد صنبر على إطلاق مجلة “الدراسات الفلسطينية” سنة 1981، التي التحقت بهيئة تحريرها المرحومة ليلى شهيد برادة، وذلك في مناخ فرنسي معادٍ لكل من يدافع عن حقوق الفلسطينيين.

وفي حالة يورغن هابرماس، سليل الإرث العقلاني النقدي الألماني الزاخر، فلم يتمكن أبدا من التحرر من عقدة الذنب الثقيلة التي جثمت على الوجدان الألماني إزاء ما قامت به النازية من إبادة ضد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية؛ ولم يستطع الارتقاء إلى المستوى الفلسفي المطلوب لمواجهة سؤال “المسؤولية” الأخلاقية إزاء هذا التوحش مقارنة مع ما قامت إسرائيل، منذ نشأتها، من جرائم وانتهاكات صارخة ضد الإنسانية. هكذا بقي رهين هذين الاحتباسين اللذين حكما بعض مواقفه، منها دفاعه عن غزو العراق من طرف أمريكا سنة 2003، وتوقيعه المعروف مع ثلاثة من زملائه الألمان (نيكول ديتيلهوف، كلاوس غونتر، ورينر فورست) عن بيان ما أسموه “مبادئ التضامن” مع إسرائيل في سياسات الموت والبطش التي تنهجها ضد الفلسطينيين والعرب بعد حدث 7 أكتوبر 2023.

كُتبت العديد من المقالات والتحاليل تكشف عن خلفيات النزعة “المركزية الأوروبية” التي تحكم مواقف هابرماس من بعض القضايا والأحداث. وهي معاينة “نقدية” عادية طالما أن الرجل فكر، منذ البدء، في الإطار الأوروبي والأمريكي وبقي ملتزما بمصادره ومراجعه، ولم يتقدم إلى المشهد الفلسفي بكونه يفكر للعالم أجمع. لذلك كان من المستبعد توقُّع أن يقدم هابرماس فلسفة لها غايات “ديكولونيالية” أو يمتلك قدرات للتفاعل الفكري الواسع مع ما أنتجه الفلاسفة والمفكرين غير الأوروبيين.

ومع ذلك فإنني أحسب، كما هو شأن عدد من المهتمين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بأن يورغن هابرماس، الذي توفي يوم 14 مارس الجاري، من أبرز المفكرين الذين أثروا الفكر الفلسفي المعاصر، واقترح على المعرفة الإنسانية انفتاحات نظرية أغْرَت نخبا واسعة من الفلاسفة والمفكرين والسياسيين؛ بل وأعتبر أن هابرماس جسد صورة الفيلسوف كما أنتجها التراث الألماني من كانط، مرورا بهيغل، وماركس، وهوسيرل، وهايدغر، وماكس فيبر، وأدورنو على الرغم، مرة أخرى، من التزامهم العضوي بتاريخ الأفكار الأوروبية ونزعتهم المتمركزة عليها، وأحكام بعضهم السطحية والمتعالية على الفلسفات والثقافات غير الأوروبية.

لهابرماس وجهان: أكاديمي وعمومي؛ ولقد أصرَّ، منذ أكثر من سبعين سنة، على عرض وتحليل ونقد الفكر الفلسفي الإنساني، مُستلهمًا من العلوم الإنسانية والاجتماعية ما يراه مناسبا لتعزيز معالجاته النظرية. ولا عجب أن ينتج فكرا تركيبيًا ينهل من مختلف حقول الفكر الإنساني وهو سليل مدرسة فرانكفورت التي أعْتَبرها من أهم المدارس التي منحت للممارسة النقدية أبعادا نظرية متجددة في الفكر الفلسفي المعاصر. هكذا أنجز هابرماس ما كان يراه جديرا بخدمة مشروعه لتأسيس نظرية الفعل التواصلي على المستوى الأكاديمي، وحرص في الآن نفسه على توقيع مقالات ناقش فيها قضايا الشأن العام التي تهم ألمانيا وأوروبا، كما كتب عما كان يراه مفيدا بخصوص القضايا التي يواجهها العالم.

جمع هابرماس بين الأستاذ والقارئ المحترف والفيلسوف والمثقف، ربط مساره الفكري بالقَدَر المعاصر لألمانيا، وعمل على التدخل في جل المناقشات الفكرية والسياسية. ورث هذا الفيلسوف القلق الوجودي الألماني الذي ولدته النازية، لذلك ألح في نظرية الفاعلية التواصلية، أولاً، على أَنْسَنة العقلنة بإدخال أبعاد التواصل؛ وثانيا، على ضبط حركية المجال العمومي الحديث بمعايير أخلاقية تنبذ وساطات المال والسلطة، وتفسح فضاءات موسعة للحريات وللفعالية الإنسانية، على أساس النظر إلى هذه المعايير باعتبارها فرضيات يجب التحقق من دقتها وصدقها وصلاحيتها بواسطة المناقشة والتفاهم.

وتتعين الإشارة إلى أنه حين أقْدَمْتُ على نشر كتابي عن هابرماس: «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس» سنة 1990 لم أجد أمامي بالعربية سوى كتاب علاء طاهر بعنوان: «مدرسة فرانكفورت، من هوركاهيمر إلى هابرماس» (بدون تاريخ)؛ وهو الكتاب الذي ركز فيه بشكل أساسي على مدرسة فرانكفورت، ولم يتعرض إلا بشكل هامشي ليورغن هابرماس باعتباره يمثل الجيل الثاني من هذه المدرسة. أما الكتاب الذي كُنت قد حررته وصدرت له طبعة ثانية ببيروت سنة 1997، فقد انصب، بالأساس، على المتن الفلسفي الذي أنتجه هابرماس إلى ذلك الوقت، بما فيه سِفْريه الكبيرين «نظرية الفاعلية التواصلية». ومنذ صدور هذا الكتاب، الذي كان بحثا في تحولات مفهوم النقد في تاريخ الأفكار الفلسفية المعاصرة، صار من بين المراجع العربية لأغلب من كتب عن هابرماس من الباحثين العرب الشباب الذين سعوا إلى ارتياد العوالم الفلسفية المتنوعة التي عالجها هذا الفيلسوف في كتبه.

تبرز في فلسفة هابرماس إرادة مفكر يتطلع إلى تملك الأسباب الجوهرية التي تكمن وراء التباسات الحداثة، مُبرهنا على قدرة كبيرة على التفكير في تناقضاتها ومفارقاتها، وذلك بالتأكيد على أهمية العقل الأنواري الذي لم يستنفد طاقته بعد في نظره، مادام ما يزال يختزن وعودا تحررية كبيرة مَهْما كانت انزلاقاته وانحرافاته؛ مع بالإنصات إلى التأثيرات المدمرة المرتبطة بعمليات العقلنة الدائمة لتصورات العالم المعيش وأشكاله. وحين أصرَّ هابرماس على هذين الأفقين فللتأكيد على القيمة السامية للعقل وللعقلنة، ولكن بتأسيس معايير جديدة لضبط عملياتها وتحركاتها. كما أنه حين أكَّد على الأهمية القصوى للعقل الأنواري فهو كان يعرف، جيدا، الانتقادات المشروعة أو المبالغ فيها التي وجهت لهذا العقل. ومن هذا المنطلق واجه الفلاسفة المحافظين، والمواقف العدمية واللاعقلانية في الآن نفسه؛ باعتبار أن مسعاه المركزي كان يتمثل في الوصول بالعقل الغربي المعاصر إلى أن يتصالح مع ذاته، وبالحداثة إلى أن تعقلن حداثتها بإدخال المعايير الأخلاقية ومراعاة اعتبارات التواصل، لكي تتجاوز لحظة “عدم اكتمالها”، كما أكد على ذلك.

من هذه الزاوية انخرط هابرماس في سجال قوي مع فلاسفة الاختلاف الفرنسيين وعلى رأسهم ميشال فوكو وجاك ديريدا، وأيضا مع التيارات اللاعقلانية في كتابه المعروف: «الخطاب الفلسفي للحداثة». يعتبر هابرماس أن هؤلاء، بالرغم من نقدهم أو دعوتهم إلى تفكيك الحداثة والخروج عن أطرها وضوابطها، فإنهم جزء منها ونتاج من نتاجاتها؛ ويرى أن مواجهة معضلات الحداثة بعقل استسلامي هي انسحاب من الزمن. لذلك يتعين الخوض في ممارسة إبداعية للنقد بدل الاكتفاء بالتحفظ الإطلاقي على عمليات العقل ونتائجه، مادام التحفظ عليه يجرى اعتمادا على بنية هذا العقل ذاته، وطالما أن النقد يستند إلى اللغة التي تحمل عقلانيتها الخصوصية.

وحين يقول هابرماس بضرورة استئناف التفكير فيما لم يتمكن العقل الأنواري من تحقيقه، أو يدرج اجتهاداته ضمن نظرية المجتمع، فإنه يؤطر نفسه ضمن مشروع فكري وسياسي، أما فلاسفة الاختلاف، لا سيما ما بعد الحداثيين منهم، فيفتقرون إلى أي تصور مستقبلي؛ بل إن فكرهم، بدل التركيز على الممكن، رمى بأصحابه في المستحيل، وعوض الممارسة الإبداعية للنقد أكدوا على التكرار، وبدل التدخل في الصراع والتوتر، قالوا بالانسحاب والارتكان إلى التصوف، أو اللجوء إلى البلاغة وطمأنينة النفس.

ففكر ما بعد الحداثة، عند هابرماس، حدث من أحداث المسار العام للحداثة نفسها، لذلك سعى إلى تأسيس نظرية معيارية للحداثة، أقامها على أربعة أسس: نظرية العقلنة، ونظرية النشاط التواصلي، وجدل العقلنة الاجتماعية، ونظرية المجتمع التي تجمع بين الاهتمام بقضايا الممارسة وباعتبارات النظام. من هذا المنظور لم يتخذ هابرماس من سلبيات العقلانية الأداتية ( وهو مفهوم أخذه من ماكس فيبر) ذريعة لترك مشروع الحداثة، بل إنه ألح على موضعة فكره في سياق تطورها وتحولها، ولكن بالانتقال من المجال المعرفي لفلسفة الوعي إلى البنية المفتوحة للفلسفة التواصلية، دون القفز إلى مرحلة ما يسمى بما بعد الحداثة، أو التشبث بالمواقف المضادة للحداثة، باعتبار أن همَّه المركزي تمثل في إعادة تنشيط الطاقة النقدية للعقل الأنواري من خلال إبراز المضمون المعياري لفكرة التفاهم الموجودة في مختلف اللغات وأنماط التواصل.

يرى هابرماس أن التواضع في إعلان الموقف شرط من شروط الحوار، والاعتراف بإمكانية الوقوع في الخطأ مبدأ من مبادئ المناقشة. فلا شيء عنده معفي من السؤال والنقد والتداول، وكل الموضوعات والمؤسسات تكتسب مشروعيتها من خلال المناقشة العمومية لخلق أكثر ما يمكن من فضاءات الحرية، ومن فرص الوصول إلى ما يسميه ب«الحقيقة الإجماعية».

لقد تعرضت فلسفة هابرماس للنقد والمراجعة، هناك من اعتبرها قريبة من الطوباوية، ومن رأى فيها نزعة متمركزة على العقل؛ وهو لم ينف بعض الأبعاد المثالية في فلسفته على كل حال؛ لكن المهتم النزيه بتطور الأفكار الفلسفية يصعب عليه تجنب الإقرار بأن مَتْن هذا الرجل يعبر عن حيوية فكرية لا مثيل لها، واقترح تركيبًا نظريًا وفلسفيًا جمع بين انشغالات الفيلسوف، واهتمامات العالِم، وهموم المؤرخ، ومواقف المفكر السياسي.

لا شك أن الفيلسوف، كما المفكرين كافة، قد تتعطَّل لديهم مَلكة النقد أمام بعض الأحداث والظواهر، كما حصل لهابرماس وغيره، لقد كان موقفه بخصوص إبادة الشعب الفلسطيني من طرف الصهيونية مُخجِلا، وضحْلا، وساقطا أخلاقيا. لم يكن يملك الكفاية الوجدانية والفكرية للإقرار بما شهده العالم، بشكل مباشر، من انتهاكات جسيمة لإنسانية الإنسان، ولِما اقترفه وما يزال يقترفه اليمين الفاشيستي المتطرف في فلسطين المحتلة. وهو كألماني منعته عقدة “الهولوكوست” من النظر العقلاني، بله الإنساني إلى ما جرى ويجري من دمار، وقتل، ومَحْو. وهو الموقف الذي جعل العديد من الناس يُشككون في صدقية الجهد النظري الذي قام به طيلة حياته الفكرية والبحثية؛ حيث اتخذ موقفا مُخزيا من قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية أو تتعلق بشعب مظلوم. عكس ما كان قد جهر به مواطنه “جونتر غراس” Günter Grass، الحاصل على جائزة نوبيل قبل وفاته، من إدانة صريحة لإسرائيل بسبب ما تقوم به من تنكيل ومحاولات اجتثاث للشعب الفلسطيني. ولعل موقف هابرماس هذا يفيد بأن المفكر النقدي قد يتعرض لنسيان مقدرات نقده ويسقط في التبرير الفج لسياسات قاتلة.

The post رحيل الفيلسوف "هابرماس" .. سليل الإرث العقلاني النقدي الألماني الزاخر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress