رحلة الموت إلى سبتة المحتلة تكتب مآسٍ جديدة في دفاتر الأمهات المكلومات
الساعة تشير إلى التاسعة صباحا من يوم السبت فاتح غشت 2026، يتوافد عدد من المهاجرين العائدين من مغامرة تفوح منها رائحة موت خطف أرواح عشرات الشباب والقاصرين الذين قادهم قدرهم المحتوم إلى ساحل سبتة المحتلة، حيث كتبت نهاية مسار حياة عشرات الحالمين بمستقبل أفضل، تاركين وراءهم حكايات لم ترو وقلوب أمهات تنفطر من الحزن والحسرة.
وسط مشاهد عودة المهاجرين من مدينة سبتة المحتلة تتكرر قصص الأمهات اللواتي يقفن في قلق وانتظار منذ ساعات الصباح الأولى، يبحثن عن أبنائهن الذين انقطعت أخبارهم، في ظل حديث متزايد عن أرقام قابلة للزيادة، تحصي ضحايا “الهروب الكبير” بعدما أحصت السلطات الإسبانية 67 ضحية حتى صباح اليوم.

تقف نجاة وعيناها شاخصتان تتفقدان قوافل العائدين من “جحيم” سبتة، وكلها أمل في أن ترمق واحدا من أبنائها الثلاثة الذين عبروا رفقة عشرات الآلاف من الأشخاص القادمين من مدن مختلفة.
تحكي نجاة أن أبناءها الثلاثة غادروا نحو سبتة قبل أن تفقد الاتصال بهم، موردة: “لدي 3 أطفال قاصرين عبروا إلى سبتة في غفلة مني، طفل عمره 14 سنة، وبنتان تبلغان 13 و12 سنة تواليا، أبحث عنهم منذ أمس ولم أجد إليهم سبيلا”.
وتقول السيدة والخوف يسيطر عليها إن ابنتها الصغرى عادت إلى المنزل في وقت سابق من يوم الخميس، ثم خرجت مجددا بعدما أخذت نسخة من بطاقتها الوطنية وبعض أغراضها، كما اصطحبت معها رقم هاتف شقيقتها الكبرى، قبل أن يختفي الثلاثة دون أن يصل إلى الأسرة أي خبر عن مصيرهم.
وتضيف الأم المرعوبة وسط أخبار الموت التي تحاصر المكان: “قيل لي إنهم سيتصلون بي، لكن لم يتصل بي أحد، ولا أعرف أين هم. كل ما أريد هو أن يعود أبنائي سالمين”، معربة عن خوفها الشديد عليهم.
وقالت نجاة وعلامات الحيرة بادية عليها: “سمعنا أن جمعية تكفلت بهم، لكننا لا نعرف اسم هذه الجمعية، ولا إلى أين نُقلوا. نريد فقط أن نعرف الحقيقة وأن نطمئن على أبنائنا”، مبدية خوفها من تعرض الأطفال لأي استغلال أو اعتداء.
واعتبرت الأم الخائفة أن انقطاع أخبار أبنائها وأبناء عدد من الأسر مثلها يزيد من حجم الرعب الذي تعيشه الأسر، خاصة عندما يتعلق الأمر بفتيات قاصرات لا يُعرف إن كنّ في مكان آمن أم لا.

ووجهت نجاة نداءً إلى السلطات من أجل التدخل العاجل للكشف عن مصير الأطفال المفقودين وطمأنة أسرهم، مؤكدة أن معرفة أماكن وجودهم هي المطلب الأول والأخير لكل الآباء والأمهات الذين يعيشون ساعات من القلق والترقب.
غير بعيد عن نجاة تقف سيدة في عقدها الخامس رفقة زوجها الذي يغطي الشيب رأسه، والدموع تغلب عينيها مترقبة ظهور ابن اختفى أثره منذ 3 أيام، في عملية الهجرة المشؤومة، التي قلبت حياة الكثير من الأسر وأبعدت النوم عن جفون أفرادها.
تخاطب السيدة العجوز نفسها بصوت مكسور وهي تبكي أمام الجدار الحديدي الفاصل بين البحر والطريق المؤدي إلى المعبر: “فينك أوْليدي فينْ مْشيتي وخليتيني”، وزوجها المصدوم يربت على كتفها محاولا تهدئتها وإظهار نوع من التماسك المطلوب في هكذا لحظات.
مشاهد وقصص كثيرة رواها العائدون من سبتة في رحلتهم القصيرة، يحكون عبرها عن أهوال رحلة معقدة زهقت فيها أرواح العديد من الشباب والقاصرين غرقا في البحر، أو دهسا تحت الأقدام جراء العبور الذي قاد أزيد من 50 ألف شخص إلى سبتة في ظروف صعبة ومعقدة.
معاناة الأسر لا تنتهي مع المآسي الكثيرة في المعبر الحدودي ومحيطه، إذ إن فرحة بعضها لا تكتمل بالعثور على أبنائها أحياء، خصوصا مع الحملات التي تطالهم وتقود جلهم إلى مدن بعيدة.
فاطمة، سيدة من سكان تطوان، تبحث عن ابنها القاصر الذي شوهد رفقة محتجزين أمام معبر سبتة، قبل ترحيله إلى وجهة بعيدة في حافلة تقل العشرات من المهاجرين.

تقول الأم التي كانت مع ابنتها ومرافق ثالث لهما: “جاءنا اتصال أخبرنا فيها بأن ابني تم نقله إلى مدينة تارودانت جنوبي البلاد، قبل أن يصل إلى مراكش رفقة أطفال آخرين ويتم القبض عليهم من طرف السلطات الأمنية”.
وأضافت الأم بوجه شاحب من الخوف على ابنها: “رفضوا تسليمه لأحد جيراننا كان ابنه رفقته، وسنضطر للتنقل إلى مراكش لاستلامه”، مستغربة كيف يتم نقل هؤلاء الأطفال والقاصرين إلى مدن بعيدة عن مدنهم الأصلية والهدف من وراء ذلك.
واعتبرت السيدة التي لا تملك أسرتها لا أي وسيلة نقل شخصية أن الإجراء الذي طال ابنها “عقابي وانتقامي منه ومنا”، مردفة: “ما يصبّرنا هو أنه ولله الحمد مازال على قيد الحياة، ونسأل الله الصبر لأمهات من قضوا في العبور المشؤوم للمدينة السليبة”، في رسالة مواساة بعثتها للأسر التي فقدت أبناءها في المأساة التي لم تبح بكامل أسرارها بعد.
The post رحلة الموت إلى سبتة المحتلة تكتب مآسٍ جديدة في دفاتر الأمهات المكلومات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.