ذاكرة لا تملك رفاهية السقوط

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فرانسيسكا موسى 

 

 

 

الانكسار داءٌ يصيب كلّ من تذوّق طعم القوّة من أعماق روحٍ اندفنت بين يديه. 
هناك أماكن، وأشياء، وأرواح تتشبّث بالوقوف رغم كل الخراب من حولها. لا تسقط لأنها عاجزة عن الاحتمال، بل لأنها لا تملك خياراً آخر.
كلمة الانكسار،  هي الصوت القاتل لذهن الإنسان!
أنا الجدار الأبكم. كنتُ، وما زلت، مسكناً لما تُخفيه القلوب: ضحكأ ودموعاً، وأسراً وأحلاماً لم تُقل، خوفاً وفقداً لم يعرفهما سواي. لم أكن حجراً فحسب، بل ذاكرة واقفة، شاهدة على من عاشوا هنا، وتعلّموا الصمود بصمت.

لم أكن يوماً حجراً صامتاً، بل أذناً تُصغي. ضحكاتهم لم تمرّ بي مروراً عابراً، بل حفرت نفسها فيّ كي لا تغرق في بحر الدموع، ودموعهم لم تُهدر، بل خطت أثلاماً عليَ، وروت صحراء قلبي العطشى. تشقّقتُ من كثرة الهموم، لا لأنني أسير درب الانهيار، بل لأنني شهدتُ ضحكاتٍ تشبه النجاة، قصيرة ومرتجفة، تُخفي دموعاً مؤجَّلة. أطفالٌ كبروا أسرع من أعمارهم، وأمّهاتٌ أخفين الخوف بين ترتيب البيت وتفاصيله الصغيرة، وصبحيّاتٌ مع نساء الحارة لتمضية الوقت. كنتُ أشعر بأناملهم وهم يعلّقون أعمارهم عليّ، لا للذكرى، بل خوفاً من أن يجرفها نهر النسيان. صورٌ من الولادة حتى الوفاة، شهادةٌ على وجودهم. حتى رسومات الأطفال لم تكن لعباً، بل أيادي تقاتل الزمن كي لا تموت اللحظة؛ لوّنوني ليزيّنوا غرفهم، وكأنّهم لوّنوا حياتي. كل كلمة قالوها، كل نظرة، كل صمت، ثقّل عليّ لانني أصبحتُ كالصندوق الخشبيّ حيث تخبئ الأمهات ذكريات طفولة أبنائها، ولكنّي لان أخبئ حياتهم كلها: آمالهم، خيباتهم، وخوفهم الدفين الذي لم يجد مكاناً آخر سوى صدري. كنتُ أتحمّل كما تتحمّل الورود الثلج والمطر، حتى تحوّلت الشقوق فيّ إلى خريطةٍ لعالمٍ جديد، لا يُرى سوى من الداخل. أحياناً شعرتُ أنّ الانكسار سيحبسني خلف قضبانه، لكنني بقيت، لأنني لم أكن شاهدةً على حياتهم فحسب، بل جزءاً لا يتجزأ منها. وفي عمق هذه الشقوق، حيث تتراكم الصور والذكريات، عشتُ حياةً لم أخترها، لكنها علّمتني أنّ الانكسار ليس نهاية، وأنّ البقاء، رغم الثقل والخوف، هو شهادة أعمق على القوّة.
ثم جاء الصمت!
ليس الصمت الهادئ، بل صمتٌ صارخ؛ صمتٌ ثقيلٌ يحني الظهر كعجوزٍ أنهكه الزمن. صمتُ الانتظار، صمتُ الخوف، وصمتُ الأسئلة ذات الإجابة السطر الابيض. كنتُ أسمع خفقان القلوب في الليل، وأستشعر الغصّة قبل أن يولد الصوت. عرفتُ أسرارهم أكثر ممّا عرفوها هم، وسمعتُ ما عجزت اللغة عن خلق كلماتٍ له، فاختبأ بين الأنفاس، وأحلامٌ انطفأت قبل أن تُمنَح اسماً. ها هو شعار حياتهم اليومية، حين تنفد القوّة: "ما بقى فينا نكمّل". وبقيتُ واقفاً، بصلابة الجبال، لأنّ الجدران لا تملك رفاهية الانهيار. عشتُ الانتظار طويلاً: انتظار نهاية الحرب، عودة الغائب، وانتظار الشعور بالأمان... علّقوا آمالهم عليّ كما تُعلَّق المعاطف في الشتاء، ومضوا في كلّ مرة، وبقيتُ وحيداً، جالساً كالأمّ الحزينة، أعدّ الأيام كما لو كانت عمراً كاملاً. حقائب عند الباب، نظرة أخيرة، ووعدٌ بالعودة… وعدٌ مات قبل موعده. فالذين يرحلون يخلعون أرواحهم من أجسادهم، فتظلّ هنا، عالقةً بين حبال الذكريات؛ يتأرجح الشوق، ويثقل الحنين إلى أيّامٍ خوالٍ، بحثاً عن دفءٍ قديم. وفي القلب زوايا، أماكن لا يصل إليها الضوء. كلّ مرّة يرحل فيها أحدهم، يبقى معلّقاً بي كظلّي. كلّ دمعة، وكلّ ضحكة، وكلّ صرخةٍ لم يسمعها أحد، جعلتني مأواها، وصنعت منّي ما أنا عليه اليوم: كمريضٍ أنهكه العمر، بعينين صغيرتين كطفلٍ خائف. وعندما اهتزّت أركان العالم في لحظة واحدة، لم أسقط، لكنني تصدّعت حتى العمق. شاهدتُ عروستي بيروت تُقتل وتُدفن تحت رمادي. حملتُ الغبار والزجاج والوجع بين يديّ كحملٍ صغير، لأنّ أحداً يجب أن يكتب الخسارة كما هي، فصلاً في كتاب وجودي. وعرفتُ أنّ الصمود ليس مجرّد وقوف؛ الصمود أن تتحمّل ما لا يُحتمل، أن تكون شاهداً على احتراقٍ داخليّ لا يُرى، بنارٍ يبقى جمرها شاهداً على من مرّوا، وعلى وجوهٍ تبتسم لتخفي خوفاً لا يزول.

واليوم، ينساب أمامي جيلٌ، يعيش سباقاً مع الوقت، والنتيجة هي شباب يشيخ قبل أن يحيا.
أرى جيلاً يتأرجح بين البقاء والرحيل، لا يُسأل عمّا يريد. عيونٌ أنهكها الانتظار، وقلوبٌ شاخت قبل أن تحلم.
يسألونني: هل نبقى؟ هل نرحل؟ هل يستحقّ هذا المكان أن نُفنى من أجله؟
ولو كان للصمت صوت، لقلت: أنا متعب، نعم. متشقّق، نعم. لكنّني لم أنهر، لأنّ الانهيار رفاهية لا يملكها من قرّر أن يكون شاهداً صامتاً. وإن سقطتُ يوماً، فلن يكون ذلك ضعفاً، بل لأنّني حملتُ الوجع حتّى آخر انفاسي. هذه ليست قصة حجر، بل شهادة على الإنسان حين يُجبر على الوقوف رغم ما يُثقِل الروح.
فاحفروا كلماتكم بيّ، لعلّ يوماً يأتي… فأرويها لأحد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية