دينامية انتقال الهوية الوطنية

شكل التنصيص الدستوري لسنة 2011 على الهوية الوطنية الموحدة والجامعة، القائمة على ثلاث مكونات أساسية وأربعة روافد ثقافية وحضارية، منعطفا نوعيا في مسار إعادة تعريف الذات الجماعية بالمغرب، اذ لم يعد سؤال الهوية حبيس بعده الثقافي الرمزي، بل أضحى في صلب التدبير السياسي للتعدد، ومحورا مركزيا في النقاش العمومي.

ولا يمكن مقاربة هذه المكونات الثلاثة، العربي الاسلامي، والامازيغي، والصحراوي الحساني، بوصفها عناصر وصفية جامدة، بل باعتبارها بنيات تاريخية دينامية، تشكلت عبر التفاعل المستمر، وأعيدت صياغتها دستوريا في سياق توازنات سياسية واستجابة لمطالب مجتمعية متنامية.

في هذا الإطار، يبرز المكون العربي الاسلامي باعتباره الإطار الحضاري والقيمي الناظم للهوية الوطنية، اذ ترسخ مع دخول الاسلام الى المغرب منذ القرن السابع الميلادي، ليس فقط كدين، بل كمنظومة حضارية أعادت تشكيل البنيات الاجتماعية والسياسية. وقد أسهم هذا المكون في بناء وحدة رمزية للدولة والمجتمع، من خلال مرجعيات دينية ومذهبية كالمذهب المالكي والعقيدة الاشعرية والتصوف السني، مما أضفى على النموذج المغربي طابع الاعتدال والوسطية.

لكن ما يلاحظ أن هذا المكون، الذي كان يقدم تاريخيا بوصفه مركز الهوية، خضع في سياق ما بعد دستور 2011 لإعادة تأويل ضمن منطق تعددي، فلم يعد يحتكر تعريف الهوية، بل أصبح أحد عناصرها ضمن بنية مركبة. ويعكس هذا التحول انتقالا من خطاب أحادي مهيمن الى خطاب تعددي توافقي، استجابة لمطالب الاعتراف التي عبرت عنها قوى مجتمعية، وعلى رأسها الحركة الامازيغية. كما يمكن فهم هذا المكون باعتباره نتاجا تاريخيا تفاعليا، حيث لم يكن يوما نقيا أو منفصلا، بل تشكل عبر تلاقح عميق مع البنيات الأمازيغية، مما يجعل الحديث عن هوية صلبة أو مغلقة أمرا متجاوزا.

أما المكون الأمازيغي، فيمثل الجذر التاريخي العميق للهوية الوطنية، سابقا في وجوده لمختلف التحولات الحضارية اللاحقة، وقد حافظ على استمراريته رغم ديناميات التفاعل والتغير. ويتميز هذا المكون بتعدد لغوي وثقافي غني، وبأنماط تنظيم اجتماعي ورمزي تعكس خصوصيات المجال المحلي.

وقد شكل هذا المكون محورا أساسيا في النقاش السياسي منذ الاستقلال، حيث انتقل من موقع التجاهل، إلى التهميش النسبي، ثم إلى صلب الاعتراف السياسي والدستوري، خاصة مع ترسيم اللغة الامازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. ويعكس هذا التحول دينامية التفاوض والضغط المجتمعي، إذ أسهم الفاعل الامازيغي، الى جانب التحولات الدولية المرتبطة بحقوق الانسان، في إعادة صياغة مفهوم جديد للهوية الوطنية بما يتجاوز الاختزال في البعد العربي ـ الاسلامي.

وقد فتح هذا الاعتراف الدستوري نقاشا جديدا حول إشكالية التفعيل، لا سيما بعد صدور القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. ومع ذلك، لا يزال التنزيل العملي يواجه تحديات مؤسساتية وبنيوية، تكشف عن فجوة قائمة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية.

ومن منظور مقاربات الاعتراف والتعددية الثقافية، يشكل هذا المكون مثالا على انتقال المطالب الهوياتية من الهامش الى المركز. كما لا تمثل الأمازيغية مجرد مكون اثني، بل ركيزة أساسية لفهم التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب، بما يعزز فكرة أن الهوية الوطنية بناء تاريخي متجدد، وليس معطى جاهزا.

أما المكون الثالث، أي الصحراوي الحساني، فيجسد الامتداد الجغرافي والثقافي للمغرب في أقاليمه الجنوبية، ويعبر عن خصوصية حضارية تشكلت في سياق المجال الصحراوي، حيث تفاعلت القبائل وشبكات التجارة ضمن منظومة ثقافية متميزة. ويتميز هذا المكون باللغة الحسانية، وبأنماط عيش قائمة على الترحال، وبمنظومة قيمية خاصة.

وقد جاء إدماج هذا المكون في الوثيقة الدستورية في سياق سياسي يتجاوز البعد الثقافي، ليشمل رهانات استكمال الوحدة الترابية وتعزيز الاندماج الوطني، حيث يشكل الاعتراف به عنصرا من عناصر بناء الشرعية السياسية وترسيخ الانتماء. ومع ذلك، يثير هذا الادماج بدوره تساؤلات حول مدى حضور الثقافة الحسانية في السياسات العمومية، وحدود تمثيلها داخل المؤسسات.

من زاوية تحليلية، يعكس هذا المكون إعادة تشكيل المجال الوطني، من خلال ادماج الخصوصيات المجالية ضمن تصور وطني جامع، يؤكد أن الهوية ليست مجرد ثقافة، بل هي أيضا جغرافيا وموروث وتاريخ مشترك.

وتأسيسا على ما سبق، يتضح أن المكونات الثلاثة للهوية الوطنية لا يمكن إدراكها باعتبارها طبقات منفصلة أو عناصر متجاورة، بل بوصفها بنية مركبة ومتشابكة، تشكلت عبر سيرورة تاريخية طويلة من التفاعل والتداخل. فالمكون العربي الإسلامي يوفر الإطار القيمي والحضاري الناظم، فيما يمنح المكون الأمازيغي العمق التاريخي والتجذر المجالي، بينما يجسد المكون الحساني الامتداد الجغرافي والتنوع الثقافي.

وتظل هذه الصيغة التوافقية التي أقرها دستور 2011 مفتوحة على إمكانات متعددة للتأويل والنقاش، في ظل تباين المقاربات المحددة لمفهوم الهوية، بين من يمنح الأولوية للبعد الجغرافي، ومن يركز على البعد اللغوي، ومن ينظر إلى الموروث الثقافي في شموليته باعتباره الأساس المحدد للانتماء.

وفي هذا السياق، يكشف التداخل بين الحقلين السياسي والأكاديمي أن الهوية، كما صاغها الدستور، تمثل حصيلة تسوية تاريخية بين فاعلين متعددين، يتقدمهم الفاعل الدولتي، والحركات الاجتماعية، والنخب السياسية والفكرية. فمن جهة، يسعى الفاعل السياسي إلى توظيف هذا التعريف في تعزيز الاستقرار وترسيخ الاندماج الوطني، ومن جهة أخرى، يعمل الحقل الأكاديمي على مساءلته ونقده، من خلال إثارة إشكالات ترتبط بحدود التعددية، وبطبيعة العلاقة بين الاعتراف الرمزي والتفعيل الفعلي، وبإمكانية وجود تراتبية ضمنية بين مكونات الهوية.

وتأسيسا على ذلك، يمكن القول إن الهوية الوطنية، في صيغتها الدستورية، لا تختزل في مجرد توصيف قانوني جامد، بل تمثل مشروعا مجتمعيا مفتوحا، يقوم على مبدأ التوازن بين الوحدة والتنوع، ويظل رهينا بمدى قدرة السياسات العمومية على تفعيل مضامينه وترجمته إلى ممارسات ملموسة. كما تظل، في الآن ذاته، موضوعا ديناميا للنقاش الأكاديمي، بما يجعلها مجالا مستمرا لإعادة البناء، من خلال تحيين مضامينها في ضوء التحولات المجتمعية، وللتفاوض، عبر تفاعل الفاعل المؤسساتي والنخب السياسية والحقوقية والفكرية حول دلالات الانتماء الوطني وحدود التعدد.

لكن رغم الطابع المتقدم للتنصيص الدستوري لسنة 2011، باعتباره اعترف بتعدد مكونات الهوية الوطنية بشكل غير مسبوق ضاربا بذلك الأحادية التي ميزت الهوية في دساتير المملكة منذ سنة 1962، فإن النقاش النقدي أبان أن هذا التصور لا يخلو من حدود، سواء على مستوى الدقة المفاهيمية، أو من حيث التوازن بين المكونات، أو على صعيد الترجمة الفعلية في السياسات العمومية. ويمكن إبراز أهم الانتقادات والملاحظات في ما يلي:

أولا، إشكالية الانتقائية في تحديد المكونات، حيث جرى حصر الهوية في ثلاث مكونات أساسية، مقابل إدراج عناصر أخرى ضمن خانة “الروافد”، وهو ما يثير تساؤلات حول المعايير المعتمدة في هذا التصنيف ومدى وجاهته العلمية؛

ثانيا، الغموض المفاهيمي الذي يكتنف التمييز بين “المكونات” و”الروافد”، إذ يصعب في كثير من الأحيان تبرير هذا الفصل بشكل موضوعي، بالنظر إلى التداخل التاريخي والثقافي العميق بين مختلف العناصر المشكلة للهوية الوطنية؛

ثالثا، احتمال تكريس تراتبية رمزية ضمنية بين المكونات، سواء من خلال ترتيبها في النص الدستوري أو عبر مستويات حضورها في السياسات العمومية، بما قد ينعكس على مبدأ المساواة الرمزية بينها؛

رابعا، تداخل البعد الثقافي مع الاعتبارات السياسية، خاصة فيما يتعلق بإدماج المكون الصحراوي الحساني، الذي يتجاوز دلالته الثقافية ليحمل أبعادا سياسية مرتبطة بقضية الوحدة الترابية.

خامسا، مخاطر تجزيء الهوية الوطنية إلى مكونات منفصلة، بما قد يتعارض مع طبيعتها المركبة والمتداخلة، ويفتح المجال أمام قراءات اختزالية أو نزعات فئوية؛

سادسا، استمرار الفجوة بين الاعتراف الدستوري والتفعيل الواقعي، حيث لا يزال تنزيل بعض المكونات، ولا سيما الأمازيغية والحسانية، يواجه تحديات مؤسساتية وبنيوية تحد من حضورها الفعلي في الحياة العامة؛

سابعا، محدودية استحضار البعد الدينامي للهوية، إذ إن حصرها في مكونات محددة قد يوحي بطابع ثابت، في حين أنها في جوهرها بناء متجدد يتأثر بالتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

وبذلك، يتضح أن هذه الانتقادات لا تنتقص من أهمية المكسب الدستوري، بقدر ما تسعى إلى تعميق النقاش حول سبل تطويره وتجويده، بما يضمن تحقيق توازن فعلي بين الاعتراف بالتعدد وترجمته في الواقع العملي.

وإذا كان موضوع الهوية يكتسي طابعا معقدا وحساسا، فإنه يقتضي، بالضرورة، تدبيرا رشيدا قائما على آليات مؤسساتية وديمقراطية سليمة، قادرة على تأطير الاختلافات وتدبير التعدد في إطار من التوازن، بما يجنب كل انزلاق أو توتر محتمل قد يمس بالتماسك الاجتماعي أو يؤثر في الاستقرار السياسي.

The post دينامية انتقال الهوية الوطنية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress